شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التمسح بالشرع من الطب إلى الجنس

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وحيث أن الباحثين العاملين في هذا المجال قد تعاملوا مع الأمر بحيادية علمية، فقد أدركوا أن التوجيهات الطبية النبوية هي توجيهات عامة، ولكنها كفيلة بأن تفتح أبواباً عظيمة من أبواب البحث الطبي، فألفوا مؤلفات في التداوي بحبة البركة، وبالعسل، وبالحجامة، بل أصبح لكل نوع من هذه العلاجات مستشفيات كاملة قائمة عليه وحده، ودوَّنوا هذا في مراجعهم، ونقل عنهم بعض المسلمين ناسباً كل ذلك الجهد البشري إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن هذه الكتب لا يوجد فيها من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا هذه الكلمات اليسيرة التي نقلناها، وكل ما عدا ذلك جهد بشري متعرض للصواب والخطأ من الناحية النظرية، فضلاً عن الصواب والخطأ من ناحية التطبيق. وأصبح طبيب "الحجامة" يعتبر كل مريض لم يعترف بأنه قد شفي على يديه أنه زنديق أو متشكك.

ثم تحول الأمر إلى تجارة بشعة يدخل فيها العطار، والصيدلي، والطبيب، والإعلامي، وكلهم يرفعون لافتة الطب النبوي المعصوم.

في حين أن معظم ما يقولون به مأخوذ عن الصينيين والفراعنة والعرب، وليس كل طب العرب طباً نبوياً.

وكان لفصل هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في العلاج من كتاب "زاد المعاد"، والذي طبع مستقلاً تحت عنوان "الطب النبوي" أثرٌ سيء في هذا؛ حيث ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- الطب النبوي، وذكر معه "الطب العربي" بناءً على أن الفقهاء الذين كانوا هم أذكياء الأمة غالباً ما يكفونها أمر علم الطب أيضًا، فَجَرَّأ هذا العنوان الذي وضعه أحد "الناشرين" كل أحد أن ينسب كل تركيباته إلى الطب النبوي.

ومن نافلة القول أن نشير إلى أن معظم العاملين في مجال طب الأعشاب ليست لديهم الأهلية لتمييز الأعشاب بعضها عن بعض، وليست لديهم المعرفة النظرية بطرق الحفظ والتجفيف، فضلاً عن تطبيق ذلك، مما يؤثر على نتائج "وصفاتهم"، سواء كانت نبوية أو عربية أو صينية أو فرعونية.

وعلى صعيد آخر يوجد جانب آخر ذو أهمية كبيرة في حياة الإنسان، وهو العلاقة بين الرجل والمرأة، وجاء الشرع فيها أيضاً ببيان الأصول العامة لهذه العلاقة، تاركاً التفاصيل والتجربة والفطرة، في حين أن الكلام التفصيلي في أمر الشهوة الجنسية يمثل شهوة مستقلة، ولذلك شاعت في كل الأمم كتابات تصف هذا الأمر بشكل تفصيلي، تارة مع التصريح بأن الغرض من ذلك الإثارة، وتارة يكون الهدف المُعْلَن هو التعليم بينما الإثارة هي المطلوبة، وتارة يكون الغرض هو التعليم فعلاً.

وفي العصر الحديث تخطى الأمر الكتابة إلى الصور الثابتة، والأفلام المرئية التي تمتلئ بها شبكة الإنترنت، وفي كل هذه الوسائل يشعر متعاطيها بعقدة الذنب، لاسيما في أوساط عوام المسلمين الذين لديهم قدر لا بأس به من النفور من الفاحشة، فرأت كاتبة مغمورة أن تحل المشكلة على طريقة الطب النبوي، بأن تكتب كتاباً تفصيلاً عن ممارسة الجنس، ولكن تحت اسم "الجنس في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-" تعرضت فيه للآداب العامة الواردة في السنة في أول فصلين من الكتاب، ثم انطلقت في نقل التفاصيل الموجودة في سائر كتب الثقافة الجنسية.

بيد أن الكاتبة وهي في الفصلين التمهيديين أرادت أن ترتدي ثوب الباحثة، فطعنت في البخاري -رحمه الله- زاعمة أنه "وضع" أحاديث لا تليق بمقام النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه مجوسي يريد أن يكيد للإسلام وأهله.

ولم يفتها من باب "الروشنة البحثية" أن تصف عائشة -رضي الله عنها- بأنها "مراهقة"؛ مما دفع الكثير ممن سمع عن كتابها إلى تكفيرها، وهذه جرأة على التكفير تحتاج إلى نظرة ومراجعة.

والقضية وإن كان ذات شجون، إلا أن الذي نريد أن ننبه عليه في هذا المقام هو أخذ الدروس والعبر، وأن الظواهر الاجتماعية طبيعتها الحراك الدائم، فينبغي على كل متصدر لعمل عام لاسيما العمل الدعوي أن يتدبر في المآلات قبل أن يقدم على شيء:

تُرى هل يرضى المتوسعون في باب الإعجاز العلمي بجعل الطب الشعبي نبوياً، ثم هل يرضون بتحويل كتب الثقافة الجنسية إلى كتب نبوية هي الأخرى؟؟

تُرى هل يرضى الذين زعموا أن البخاري قد فاتت عليه أحاديث موضوعة -مع عظيم جرمهم- بأن يُوصَف البخاري -رحمه الله- نفسه بأنه وضَّاع، مجوسي، زنديق؟

وأخيراً هل يرضى أصحاب "الروشنة الدعوية" التي أصبحت ظاهرة في زماننا إلى أن يصل الأمر إلى أن توصف السيدة عائشة -رضي الله عنه- بالمراهقة؟؟

إننا ندعو كل هؤلاء على أن يراجعوا مواقفهم، وقد رأوا بأعينهم تطوراتها المؤلِمة.

نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

الصفحة السابقة