وقفات مع آيات (16) (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال -تعالى-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران: 144) .
موضوع الآية:
- الثبات على الدِّين.
قصة نزول الآية:
- قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "لما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحد، وقُتل مَن قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلتُ محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثيرٍ مِن الناس، واعتقدوا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قُتِل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قصَّ الله عن كثيرٍ مِن الأنبياء -عليهم السلام-، فحصل وهن وضعف وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ )".
فوائد حول الآية:
(1) البقاء للمنهج:
- العمل لدين الله لا يتوقف ولا يغيب بتوقف أو غياب الرموز، ولو كانوا أعظم الناس قدرًا: ذكر أصحاب السير: "أن أنس بن النضر مرَّ بنفرٍ مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحد، وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قُتِل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
ونادى ثابت بن الدحداح يوم أُحد في قومه فقال: "يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قُتل، فإن الله لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم" (السيرة الحلبية 2/ 22) ، "ومرَّ رجلٌ مِن المهاجرين برجلٍ مِن الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال: يا فلان: أشعرت أن محمدًا قُتِل؟ فقال الأنصاري: إن كان قد قتل فقد بَلّغ، فقاتلوا عن دينكم" (زاد المعاد 2/ 96) .
- لا تقل: ذهب الرموز وهم أفضل منا، وليس في الإمكان أحسن مما كان! لا، بل قد يجعل الله البركة فيمَن خلفهم، فيحققون ما لم يحققه السابقون: خالد بن الوليد يوم مؤتة يخلف القادة الثلاثة، ويأتي بأفضل مِن عملهم حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (رواه البخاري) .
- أثر فهم نزول الآية بعد ذلك على الأتباع الشاكرين الثابتين: روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: "أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: "بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا"، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- خَرَجَ، وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَمَالَ إليه النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) قالت: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا".
(2) وجوب الثبات على الدِّين:
- حذر الله -سبحانه- المسلمين من التراجع وعدم الثبات بعد غياب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ).
وللثبات جانبان:
أحدهما: الثبات على ملة الإسلام.
والثاني: الثبات على التزام تعاليم الإسلام.
أولًا: الثبات على ملة الإسلام (والناس فيه على نوعين):
- النوع الأول: مؤمنون ثابتون على ملة الإسلام إلى الممات، مهما كانت الفتن والمحن: قال الله -تعالى-: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران:102) ، وكان مِن دعاء نبينا -صلى الله عليه وسلم: ( يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ ) (رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدعوات الكبير، وحسنه الألباني) .
