التفويض في العمل التطوعي ... فن إنتاج القيادات
غريب أبو الحسن • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
- في بيئة صحراوية جافة طول العام، لكنها تمطر لفترةٍ قصيرةٍ وبكثافة، استطاع مجموعة من البشر بناء خزان مياه ضخم يكفي احتياجاتهم ويزيد، ولكن المفارقة -وحرصًا من المسئول على عدم إهدار المياه- جعل المنفذ الوحيد من الخزان هو مخرج واحد يقف عليه مسئول هذه المجموعة يتابع بنفسه حصة كل فرد في اليوم، فيصرف هو بنفسه حصة كل فرد!
وترتب على ذلك: أن اصطف الناس أمامه على مدِّ البصر في طابور طويل، والمسئول يصدر أمرًا تلو الأمر بصرف الماء لكلِّ فرد! فتخيل مقدار الوقت الضائع، ومقدار الجهد المهدر، بل أصبح معظم يوم الأفراد يضيع في انتظار نصيبهم من الماء! وتخيل حجم السخط وعدم الرضا والضيق، وقلة الإنتاج والتململ، واضمحلال الأهداف بحيث يكون أقصى طموحات الفرد في يومه هو الحصول على نصيبه من الماء، وتأمل كيف تتحول الوسائل إلى غايات، بينما تغيب الغايات وتندثر.
- وفي تجمع مماثلٍ لهم، وفي نفس الظروف: قام المسئول بتركيب عددٍ كافٍ من المخارج، ووضع سياسة لصرف المياه، وشرح هذه السياسة لعددٍ مِن الأفراد المميزين، وقام بتعيين هؤلاء الأفراد، وكلَّف كل واحد منهم بصنبور وفوَّضه في قرار صرف المياه لكلِّ فرد حسب السياسة المتفق عليها، فأصبح هناك سهولة وسرعة في حصول الأفراد على أنصبتهم من الماء ثم الانصراف لأعمالهم ومصالحهم، وهم راضون عن نظام توزيع المياه؛ مما كان له كبير الأثر على حجم إنتاجهم ووضوح أهدافهم، والسعي قدمًا إلى غاياتهم، بينما انشغل المسئول بمتابعة مَن فوضهم ودربهم على توزيع المياه ومراجعة سياسة التوزيع وتقييمها، ورسم سياسة تجمعهم، واستشراف مستقبلهم.
- إن الفرق الدقيق بين نموذجي الإدارة السابقين هو: إتقان مسئول التجمع الثاني لمهارة "التفويض الإداري" وغيابها عند المسئول الأول؛ فوزع المسئول الثاني صلاحياته على مجموعة عمل من الكفاءات، بينما كرَّس المسئول الثاني كل الصلاحيات في يده.
- إن تعدد أنشطة وفروع ومساحات عمل المؤسسات التطوعية يحتِّم على مسئوليها إجادة فن ومهارة "التفويض الإداري" في العمل؛ لأهميته في مشاركة أكبر عددٍ من أفراد المؤسسة في إدارتها، وفي اتخاذ القرار والتصرف في مواردها البشرية والمادية فيما يخدم أهداف المؤسسة ومنطلقاتها.
- ولا أبالغ إن قلتُ: إن الفرقَ بين المدير الناجح والمدير المتعثر هو قدرة الأول على التفويض، كما أن الفرق بين المؤسسة القابلة للتطور والمؤسسة المنكمشة، هو: سريان روح التفويض في الأولى، وغيابه أو ضعفه في الثانية.
- فالمدير الذي يعلِّق كل الاختصاصات والقرارات بعنقه كمثل صاحب المخرج الواحد الذي اصطف الناس أمامه في ضجر، ينتظر جميع مَن في المؤسسة إذنه وموافقته، فلا يكاد الهاتف ينزل من على أذنه من أفرادٍ تطلب الإذن لعملٍ ما، أو آخرين يطلبون تفسيرًا لقرارٍ ما.
وهذه الطلبات تأتي ليس من المستوى الإداري الذي يديره بشكلٍ مباشرٍ، ولكن مِن كلِّ المستويات الإدارية في سُلَّم الإدارة الذي يمثِّل هو أعلاه، بينما هناك مئات الرسائل تنتظر الرد، وجدول الاجتماعات والمقابلات مكتظ، وعدد المشكلات التي تنتظر الحل في زيادة، ولا يكاد يجد وقتًا للراحة؛ فضلًا عن تفقُّد أهله، ثم تُنسَى وتطمر في خِضَم الأعمال المتراكمة أعمال أخرى هي في غاية الأهمية، ولن يقوم بها سواه، مثل: استشراف المستقبل، ورسم سياسات المؤسسة، وضبط المسارات لأفرع العمل، ومتابعة الخطط وتطوير المؤسسة، وتفقد الأفراد المميزين، والعمل على بناء علاقات اجتماعية دافئة داخل مؤسسته، ويترافق هذا غالبًا مع وجود عددٍ مِن الأفراد يعاني من البطالة، وضعف التوظيف.
- إن من أهم واجبات المدير أو المسئول عن العمل التطوعي: إعداد أجيال قادرة على تحمل مسئولية العمل التطوعي، واكتساب الخبرات والمهارات اللازمة لنجاح العمل التطوعي، والترقي المستمر بالعاملين، ولن يتأتى ذلك إلا بنقل جزءٍ من أعماله ليقوم بها الكفاءات من فريق عمله أمام عينه، يخطئون ويصحح لهم، ويصيبون ويشجعهم حتى يستووا على سوقهم، ويكونوا مهيئين لتولي مسئولية العمل كاملًا.
- وتكاد لا توجد وظيفة في العمل التطوعي لا يصلح فيها التفويض، فالعمل التعليمي أو التثقيفي يحتاج؛ لأن يقوم المدرس المتمرس في انتخاب أنجب تلامذته للتدريس، والعمل الخدمي يحتاج لأن ينتخب المدير أنجب العاملين لإدارة بعض الأنشطة والأعمال إدارة كاملة حتى يكتسب مهارة إدارة الأعمال، وإذا رأيت مؤسسة يظل فيها المسئول سنوات عديدة دون أن يبرز إلى جواره العديد من الكفاءات القادرة على تحمل المسئولية، فاعلم أن هناك خللًا كبيرًا في فهم هذا المدير لفلسفة العمل التطوعي، وأهمية تتابع الأجيال، وتوارث العمل.
- كل ما سبق يحتِّم على المدير أن يتعلم مهارة التفويض، ويدرك شروطها، وعوامل النجاح فيها.
- فما "التفويض الإداري"؟ وما أهميته؟ وما شروط التفويض الناجح؟ وما معوقاته؟
- دعونا في السطور القادمة نجاوب عن هذه الأسئلة، واللهَ نسألُ التوفيق والقبول.
تعريف التفويض:
- التفويض هو: "أن يقوم المسئول بنقل جزءٍ مِن اختصاصه لأحد مرؤوسيه بما في ذلك سلطة اتخاذ القرار، واستغلال الموارد في نطاق هذا الاختصاص، مع بقاء المسئولية في عنق الرئيس، وذلك لفترة زمنية محددة".
- إذًا فالتفويض هو أن يقوم المسئول بتخفيف العبء الإداري عن نفسه بتوزيع جزءٍ مِن اختصاصه على مَن يرأسهم، وذلك مع تحديد مدة هذا التفويض مع بقاء المسئولية عن العمل في عنق المسئول أمام مؤسسته التطوعية.
- وتحمل كلمة" الاختصاص "معنيين رئيسيين هما: معنى الكفاءة والسلطة؛ الكفاءة حيث إن المختص بأمرٍ ما من الطبيعي أن يكون صاحب كفاءة ومهارة فيه، وهذا ينسحب على مَن يفوضه المسئول، فينبغي أن يكون أيضًا صاحب كفاءة.
وكذلك تحمل كلمة "الاختصاص" معنى السلطة، والسلطة في اتخاذ القرار، والسلطة في استغلال الموارد البشرية، والسلطة في استغلال الموارد المالية.
- والتفويض قد يكون مكانيًّا أو زمانيًّا أو موضوعيًّا، بأن يفوِّض المدير أحد الأفراد بإدارة مكان جغرافي ما، أو إدارة نشاط ما، وذلك خلال فترة زمنية محددة.
