قاعدة الموازنات بين الإفراط والتفريط
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ذكرنا -فيما مضى- أن من ثمرات التقييم الشامل للأفراد أو الجماعات أن هذا يترتب عليه ولاء وبراء؛ بناء على قاعدة تجزأ الولاء والبراء، وذكرنا أن المدح والذم فرع على ذلك، وعلى هذا؛ فالحالة المثلى متى وجدت الظروف المناسبة، وأمنت الفتنة؛ أن يذكر لطلاب العلم التقييم الشامل لمن يتعرضون له من الأفراد والجماعات؛ لكي يتمكنوا من إعطاء كل أحد حقه ولاء وبراء، ومن الأمور التي ينبغي العناية بها في هذا الموطن: أن بعض أهل الخير قد يصل إلى درجة تغمر سيئاته في بحر من حسناته، و( إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ ) كما بينه شيخ الإسلام -رحمه الله- في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" الذي دافع فيه عن بعض من أخطاء من الأئمة في بعض المسائل لاسيما أبي حنيفة، وسائر علماء الكوفة.
وأما من دونهم في العلم والفضل فالأمر يحتاج إلى التوازن بين التحذير من البدعة في شخص قائلها، وبين حق هذا المبتدع من الولاء على أصل الإيمان، وعلى ما معه من موافقة السنة، وقد يترجح هذا في موطن، ويترجح هذا في موطن حتى مع هذا الشخص الواحد، ومن نظر إلى شدة كلام الإمام أحمد -رحمه الله- على القائلين بخلق القرآن -حتى نسب إلى تكفيرهم- وبين عدم خروجه على من امتحنه على الفتنة منهم، بل دعاؤه لهم واستغفاره لهم؛ يجد ذلك مثالاً واضحًا لما ذكرنا.
وكذلك ثناء شيخ الإسلام على أمراء المماليك الذين قادوا الهجوم ضد التتار؛ لما وجد أن البعض قد يستثمر الأخطاء العقدية -حيث كانوا على مذهب الأشاعرة- والفقهية -حيث كانوا مقلدة متعصبين- بل والسلوكية -أحيانًا- في منع الناس من قتال التتار تحت رايتهم، ولا يتأتى مثل هذا المدح لرجل أشعري في بيئة سنية لا هم له إلا إخراجهم من السنة إلى البدعة.
الحاصل: أنه مع بقاء الأصل العام من إحقاق الحق، وإبطال الباطل، يمكن أن تكتفي بذكر الباطل الذي عند شخص ما؛ تنفيرًا، ما لم يترتب على ذلك مفسدة أكبر، كما حذر الإمام أحمد من الحارث المحاسبي، وأما إذا خفت أن يضيع حق، كأن يُقدم البعض على قتل مبتدع تبلغ بدعته مبلغ الكفر، أو أن تضيع مصلحة كبيرة للمسلمين، كمن أرادوا القعود عن قتال التتار مع المماليك؛ فلابد هنا من التفصيل.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أن قاعدة: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية" هذا من حيث الجنس، فجنس البدعة أعظم من جنس المعصية، ولكن البدع المختلف فيها كوضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع -عند من يرى بدعيتها-، وكصلاة التسابيح -عند من يرى بدعيتها-، ليست كالمعاصي المتفق على حرمتها، كما أن البدع فيها كبائر وصغائر، والمعاصي فيها كبائر وصغائر، ولا يمكن أن يجعل من زاد صفة أو هيئة في ذكر، أو ورد، كمن يزني، أو يشرب الخمر. نقول ذلك؛ لأن البعض طرد هذه القاعة طردًا لا نظن أنه قال به أحد من أهل العلم عبر التاريخ، وهو أن من أخطأ ناسبًا خطأه للدين أعظم خطرًا أو ضررًا ممن لم ينسبه، هكذا دون تفصيل.
فأصبح عندهم أن من أخطأ في تقدير مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، أعظم خطرًا على الأمة ممن يحكم بغير ما أنزل الله؛ لأن الأول نسب خطأه للدين، والثاني لم ينسبه، وأصبح عندهم من يخطئ في تغيير المنكر أشد ضررًا من صاحب المنكر ذاته، ويا ليتهم يبدءون بمن يرونه أكثر ضررًا، ثم يثنون بالثاني، بل يستغرقون حياتهم في الطعن على أهل الدين بزعم البدع التي قد لا يكون معظمها بدعًا في الحقيقة حين يسلم المنافقون والعلمانيون والعصاة من ألسنتهم وأيديهم.
