شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حدث بلا تعليق

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

ثم قال الإمام ابن كثير - رحمه الله-: " وقوله -تعالى-: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حبّ أصنامهم، والمحاماة لها والانتصار، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملَهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره. (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ) أي: معادهم ومصيرهم، (فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: يجازيهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر"ا.هـ.

ويؤخذ من هذا أن على الداعي أن يستمر في بيان الحق وذم الباطل، ولكن عليه أن يعلم أن هؤلاء الكفار قد زين الله لهم حب رموزهم وكبرائهم، ومن ثم فيكفي البيان العام من أنه لا إله إلا الله، وأن كل ما عداه باطل، دون التعرض بالذم الخاص لهذه الأعيان المعظمة عند الكفار، مع أنها داخلة في عموم الذم، ومع أن الذم الخاص لكل رموز الباطل قد يكون أكثر وضوحاً، وأظهر أثراً، إلا أنه ما دام الكفار قادرين على رد ذلك بالفحش والبذاء والتطاول على الذات الإلهية، فالمسلم لا يمكن أبداً أن يقدم على ما شأنه أن يؤدي إلى هذا المنكر العظيم.

وهذا إن كان ينطبق على من ابتلي بمجاورة الكفار، فمع من ابتلي بمجاورة أهل البدع والمنكرات من باب أولى، ورحم الله القائل: "إذا عجزت عن قول الحق فلا تقل الباطل".

فكم من موطن يكون السكوت فيه بليغاً، والترك أبلغ من كثير من الفعال!! فمن ذلك ما ذكره أهل العلم من أن الأولى بأهل العلم ألا يحضروا جنازة من عرف ببدعة أو فسق، وذلك الترك في هذا الموطن يكاد يكون أبلغ إنكار لبدعة المبتدع وفسق الفاسق، وقد أراد قوم أن يحولوا جنازات بعض المبتدعين أو العصاة إلى محاكمة له بين أهله، وهم في هول فجيعتهم به، فحصلت بذلك فتن لا يعلم مداها إلا الله، لاسيما أن أحوال الموت من الأحوال التي تجيش لها العواطف، وتضطرب فيها النفوس، والامتناع في هذه الأحوال كاف؛ لأن امتناع الجار عن حضور جنازة جاره لا يمكن أن يحمل إلا على رفض لهذا الجار، أو رفض لأمور جوهرية عنده، وهذا ما نسميه: "الصمت البليغ" .

ومما تجدر الإشارة إليه أنه كلما كانت الدعوة واضحة في معالمها مبنية على أصول ثابتة، وكان الدعاة إليها على بصيرة، وكانوا مجتهدين في تقرير هذه البصيرة في النفوس، فإنه يسعهم مطمئنين أن يلوذوا بالصمت "البليغ" في كثير من المواطن والأحداث التي تمر بهم وبمن حولهم، لاسيما إذا كان الصمت يحمل دلالة ظاهرة.

نسأل الله -تعالى- أن يعز الإسلام، وينصر المسلمين، ويشفي صدور قوم مؤمنين، وأن يعين المسلمين على العمل الذي فيه صلاحهم في دينهم ودنياهم. اللهم آمين.

الصفحة السابقة