شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات مع آيات (17) (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (المنافقون: 7-8) .

موضوع الآية:

- بيان شديد عداوة المنافقين للمسلمين وتعاليم الإسلام، وذكر شيء من صفاتهم.

قصة نزول الآيات:

- قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد ذكر غير واحد مِن السَّلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول، كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى ... قال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحدَّثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعزلوه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعل يلوي رأسه، أي: لستُ فاعلًا ... وقال ابن إسحاق في قصة بني المصطلق: فبينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقيم هناك اقتتل على الماء، جهجاه بن سعيد الغفاري وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب، وسنان بن يزيد، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلُنا وجلابيبَ قريش هذه إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على مَن عنده مِن قومه، وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم في بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد ابن أرقم -رضي الله عنه- فذهب بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو غليم-، وعنده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فأخبره الخبر، فقال عمر -رضي الله عنه-: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه؟، لا، ولكن نادِ يا عمر: الرحيل.

فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان، فقالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون هذا الغلام أوهم، ولم يُثْبِت ما قال الرجل، وراح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُهجرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير -رضي الله عنه-، فسلَّم عليه بتحية النبوة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة مبكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما بلغك ما قال صاحبك ابن أُبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعزُ منها الأذلَ، قال: فأنت يا رسول الله، العزيز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك، وإنا لننظِمُ له الخرزَ لِنُتَوِّجَه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكًا، فسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين ... وروى الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك (1) ، فقال عبد الله بن أُبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي، وقالوا: ما أردتَ إلى هذا؟ قال: فانطلقتُ فنمتُ كئيبًا حزينًا، قال فأرسل إليَّ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن الله قد أنزل عذرك وصدقك، قال: فنزلت هذه الآية: ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) (المنافقون:7-8) " (انتهى من تفسير ابن كثير) .

فوائد حول الآيات:

(1) المقصود بالنفاق وبيان أنواعه:

- قال ابن القيم -رحمه الله-: "أما النفاق: فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئًا منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرًا ما يخفى على مَن تلبس به، فيزعم أنه مصلح، وهو مفسد، وهو نوعان: أكبر وأصغر) (مدارج السالكين) .

- فأما الأول منهما -وهو أخطر النوعين-: فهو نفاق الاعتقاد، الذي يخلِّد صاحبه في النار، بل يجعله في الدركات السفلى من النار، وذلك بأن يُظهر صاحبُه الإيمانَ وهو في الحقيقة على الكفر الباطن، وقد يقر بوجود الله ويؤمن به، ولكنه لا يرى متابعة الرسول -عليه السلام- وتصديقه فيما أخبر به.

- وعلى هذا النوع كان عبد الله بن أبي بن سلول وطغمته من المنافقين: قال الله -تعالى- فيهم: ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (المنافقون: 2) .

- وهم مع ذلك معصومو الدم والمال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) (متفق عليه) ، وقال منكرًا على أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: ( أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ... ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية