الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (47) قصة إحياء الطيور الأربعة (9)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (البقرة:260) .
الفائدة الخامسة:
دلّتْ الآيةُ الكريمة على أن الإيمان أصلٌ وله كمالٌ، وقد ذكرنا في الفوائد الأربعة السابقة تفاوت أقوال القلب وأعماله بالكمّية والكيفية، وأما زيادة الإيمان وكماله بالنظر إلى زيادة أعمال اللسان والجوارح، فأصل أعمال اللسان هو النطق بالشهادتين، وهو ركن من أركان الإيمان، وهو المقصود بقول مَن يقول: الإيمان قول وعمل، فيجعلون القول -الذي هو نطق الشهادتين- ركنًا مستقلًا؛ لأن حكم الشهادتين مستقل عن حكم أعمال اللسان الأخرى، وهي في الحقيقة أقوال، لكن سُمّيت أعمالًا؛ لأن نطق الشهادتين به يثبت أصل الإسلام ظاهرًا وباطنًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يخرجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَلَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ )، وقال: ( مَن ماتَ وهو يَعْلَمُ أنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ ) (رواه مسلم) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ، وحِسَابُهُمْ علَى اللَّهِ ) (متفق عليه) .
ويُلحظ في هذا الحديث: أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هي في استمرار العصمة لا في أصلها، فإن الإجماع المعلوم من الدِّين بالضرورة -كما نقله ابن رجب الحنبلي- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقبلُ الإسلامَ ممَّن نطق الشهادتين، ويجعله بذلك مسلمًا، ثم بعد ذلك يُؤمر بالصلاة والزكاة.
فأصل العصمة يَثبتُ بالنطق بالشهادتين، واستمرارها بالمحافظة على الصلاة والزكاة؛ فإنَّ مَن امتنع عن ذلك حلَّتْ عقوبتُه، فالصلاة والزكاة مِن حق لا إله إلا الله، أما باقي أعمال اللسان أو أقوال اللسان فهي التي تقع في الصلاة، وفي الحج، وفي التسبيح، والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وسائر أقوال اللسان التي يحبها الله، وكذا أعمال الجوارح؛ فهذه كُلها يزيد الإيمانُ وينقصُ بها؛ ولذلك زيادة الإيمان ونقصانه بِناءً على تفاوتِ أعمالِ الجوارح مع أقوالِ اللسان، مَردُّ ذلك إلى أن أعمال الجوارح من الإيمان، وقد دلَّ على ذلك قولُ الله -تعالى-: ( وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ )، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، فبوّبَ عليه البخاريُّ باب: "صيام رمضان من الإيمان"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، وبوّبَ عليه البخاريُّ باب: "قيام رمضان من الإيمان".
وكذا أداء الزكاة وأداء خُمس الغنيمة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لوفد عبد القيس: ( آمُرُكُم بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وأَن تُقيمُوا الصَّلاةَ وتُؤتُوا الزَّكَاةَ، وأَن تُؤدّوا خُمُسَ ما غَنِمْتُمْ ) (متفق عليه) .
وهذه الأحاديث صريحة في أن أعمال الجوارح داخل مسمَّى الإيمان، وهذه المسألة موضع نزاع كبير بين أهل السنة والمُرجِئة؛ فالمُرجئة -وهم الذين غَلوا في جانب الرجاء- سُمُّوا مرجئة من التأخير؛ لأنهم أخَّروا العمل، فهم يقولون: "الإيمان هو التصديق فقط بالقول واللسان".
والغلاة منهم -وهم الجهمية-: يغالون في الإرجاء، يقولون: "الإيمان هو المعرفة، ولو لم ينطق الشهادتين"، وهذا هو الضلال المبين؛ لأن إبليس يَلزم أن يكون مؤمنًا عندهم؛ لأن عنده معرفةً بالله، وضلَّ بعد كفره وإبائه واستكباره، يقول: ( خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ )، ويقول: ( رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )، فهو يؤمن بالربوبية؛ يُؤمن أن الله خلقه، ويؤمن أن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يُنظِر من يشاء، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ومع ذلك كله لم يكن مؤمنًا؛ لأن الإيمان ليس هو المعرفة فقط، بل لا بد معه من انقياد القلب وعمله ومحبته، وتعظيم لله -عز وجل-، وسائر أعمال القلوب، ولا بد كذلك من نطق اللسان.
ويلزمهم -يلزم المرجئة-: أن يكون فرعون مؤمنًا كذلك؛ لقول الله -عز وجل-: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )، ومَن قال بإيمان إبليس وفرعون خرج مِن مِلَّة الإسلام -والعياذ بالله-.
وقد دخل الإرجاء على كثيرٍ مِن الناس في عصرنا، كمَن يقول: "إن اليهود والنصارى مؤمنون؛ لأنهم يعلمون أن لا إله إلا الله، ويعلمون أن الله خلقهم"، وهذا القول في تجويز تكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكذا عدم النطق بالشهادتين مُنَاقِض لأصل الإسلام -والعياذ بالله-.
