الفساد (115) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (6) من تاريخ الرقابة على السينما (2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلم تمنع الرقابة على السينما في مصر أيَّ فيلم مصري في الفترة من 1984م إلى 2000م، ولكن المطالبة بمنع بعض الأفلام جاءت من الصحافة، وامتدت إلى فئاتٍ مِن المجتمع، ولم يعد مكانها صفحات الصحف فقط، وإنما ساحات المحاكم كذلك، (ففي عام 1986 رفع أحد ضباط الشرطة قضية يطالب فيها بمنع فيلم (للحب قصة أخرى)، (على أساس وجود مشهد معاشرة جنسية بين بطلي الفيلم)، وقد أفرج عن مخرج الفيلم والممثل والممثلة بعد التحقيق معهم في نيابة الآداب (انظر في ذلك: "تاريخ الرقابة على السينما في مصر" سمير فرج - الهيئة المصرية العامة للكتاب ط. مكتبة الأسرة 2016، ص 129) .
(وفي عام 1991 طالب بعض السينمائيين ونُقَّاد السينما بمنع الفيلم القصير (القاهرة) إخراج يوسف شاهين بعد أن شاهدوه في برنامج نصف شهر المخرجين بمهرجان كان ذلك العام، ولكن الرقابة لم تمنع الفيلم) (المصدر السابق، ص 129) .
(وفي عام 1992 طالب بعض الصحفيين بمنع فيلم (ناجي العلي)، (ولكن الرقابة لم تمنع الفيلم) (المصدر السابق) .
(وفي عام 1994 رفع أحد المحامين دعوى قضائية لمنع فيلم (المهاجر) إخراج يوسف شاهين، وصدر الحكم بمنع الفيلم في نهاية العام، ولكن المخرج وهو المنتج والمؤلف قام باستئناف الحكم، وصدر لصالحه في بداية عام 1995) (المصدر السابق) .
وكان يوسف شاهين قد قدَّم (السيناريو إلى الأزهر تحت عنوان: (يوسف وإخوته)، ولكن الأزهر طلب تغيير العنوان وعدم تجسيد النبي يوسف -عليه السلام-، أي: عدم الالتزام بالقصة كما جاءت في الكتب السماوية، ووافق يوسف شاهين على ذلك احترامًا للأزهر واحترامًا للتقاليد الإسلامية، وأعاد كتابة السيناريو على أساس استلهام قصة النبي، وعدم الالتزام بما جاء في الكتب السماوية حتى تصبح مختلفة) (المصدر السابق، ص 170 -171) .
ويرى البعض : أن الفيلمَ محاولة لتقديم القصة القرآنية بصورة غير مباشرة، بينما يرى يوسف شاهين كما في دفاعه عن نفسه أن الفيلم (ليس تجسيدًا لشخصية النبي يوسف أو تاريخًا لسيرته كما وردت في القرآن الكريم، ولكنه مجرد قصة متخيلة تروي سيرة إنسان من بين البشر اسمه (رام) ليس مقدسًا)، (والاختلاف بين سيرة النبي يوسف وسيرة الفتى رام ليس اختلافًا شكليًّا يقتصر فحسب على الأسماء، لكنه اختلاف جذري يشمل الزمان الذي عاش فيه كل منهما والمكان الذي هاجر منه كل منهما، والأحداث التي كان كل منهما بطلًا لها، والشخصيات التي كان كل منهما طرفًا في علاقة معها، فما قدم مصر إلا بسبب الانقلاب المذهبي والسياسي الذي انتهى باستبدال الأمونية بالأخناتونية، وعلى عكس النبي يوسف الذي ظلَّ بمصر ومات بها، فإن رام قد عاد إلى أهله لكي يعلمهم ما تعلَّم في مصر) (راجع المصدر السابق، ص 172 -173 بتصرفٍ) .
وفي معركة تعرضت لقضية التمويل الأجنبي للأفلام المصرية كانت قضية تحريض الصحافة المصرية للرقابة على منع فيلم (الأبواب المغلقة) في مايو 2001، وقد اختلفت الآراء حول الفيلم بين المؤيد لعرضه وبين المعارض له، فالناقدة السينمائية خيرية البشلاوي رأت كما كتبت في جريدة المساء اليومية يوم الأحد 27 مايو 2001 أن (الفيلم في النهاية يمثِّل عينة دالة وكاشفة وصالحة للدراسة عن الأعمال التي تفوز بالتمويل الأجنبي)، وأن (الواقعية التي تتبناها هذه الأفلام مقضي عليها أمام جمهور سوف يرفضها بالقطع، والأمل الوحيد أمامها هو هذا التمويل الأجنبي الذي يرعاه موزعون ومنتجون محليون حققوا مكسبهم قبل أن يبدأ عرض الفيلم) (المصدر السابق، ص 178) .
أما الكاتب السياسي يوسف الشريف فكتب عن الفيلم في جريدة العربي الأسبوعية التي يصدرها الحزب الناصري يقول: (الأبواب المغلقة فيلم مشبوه ومفضوح وسيئ النية مع سبق الإصرار والترصد بمصر والمصريين، وقد بدأ إنتاج هذا الفيلم أوائل التسعينيات في أعقاب حرب الخليج الثانية، ثم تعثَّر لأسبابٍ يطول شرحها. وبينها الجدل العقيم الذي شهدته أروقة الرقابة على المصنفات الفنية شهورًا حول العديد من المشاهد التي لا تتدرج فحسب تحت قائمة الإباحية الجنسية المحظورة، وإنما لتطاولها على قِيَم وعادات الشعب المصري وموروثه الديني والأخلاقي؛ خاصة إعلاءه لمكانة الأم بدعوى الواقعية أو حرية الإبداع، وبينها محاولة الصبي الصغير) بطل الفيلم الهم بوالدته (بنية المواقعة والتلصص عليها عارية في الحمام، الأمر الذي يدعونا إلى الثناء على الرقابة عندما رفضت عرض هذه المشاهد الفجة وما شابهها، وأصرت في شجاعة على حذفها رغم اتهامها تارة بالسلفية والماضوية، وأخرى بالعداء للانفتاح والتنوير، ومع ذلك لم يسلم الفيلم من احتضان الطفل غير البريء لوالدته بعد التخفيف من نية المواقعة التي أدركتها في حينها وصدته عنها، وكذا المشهد (البورنو) حين التحم اللحم باللحم، والتقت شفتا الفنان ... في دوره الباهت بشفتي ... وراح يستعرض اكتنازه ومنحنياته مرتشفًا ومدغدغًا في تباطؤ مقصود لذاته!
والحقيقة: إنني لم أستبشر خيرًا منذ استعراض مقدمة الفيلم بالشكر والامتنان لعددٍ من المؤسسات الثقافية والفنية والفرنسية على إسهامها بسخاء وبالعملة الصعبة -طبعًا- في كلفة إنتاجه، لا لتعصب ضد كل ما هو أجنبي بمنطق المؤامرة والعياذ بالله، وإنما لتراكم وعينا بالخطط والأساليب الذكية للاختراق الثقافي والعولمة التي تذكرنا بالعقوبات الذكية المراد فرضها على العراق.
وإلا فما السر في إعمال معيار الانتقائية لكلِّ ما يشين لمصر والازدراء بالمصريين في الأعمال الأدبية والبحوث الاجتماعية، والمرشحة للترجمة مدفوعة الأجر سلفًا للمؤلف أو الباحث؛ فضلًا عن حصد الجوائز) (المصدر السابق، ص 178-179 بتصرفٍ) .
وقال الناقد السينمائي وليد سيف عن الفيلم: (وهو من أكثر الأفلام التي أثارت شهية النقاد وأثارت جدلًا خاصًّا بموضوع التمويل الأجنبي، وتأثير هذا النوع من التمويل على توجهات الفنان واختياراته، وتركيزه على الجوانب المظلمة والقبيحة في مجتمعنا) (راجع: "الفيلم المصري: الواقع والآفاق" وليد سيف ط. الهيئة العامة لقصور الثقافة 2017م، ص 192) .
سينما ابتدعوها فما راعوها حق رعايتها:
