شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (48) قصة إحياء الطيور الأربعة (10)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -عز وجل-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (البقرة:260) .

الفائدة السادسة:

قاعدة "الإيمان له أصل وكمال" هي من خصائص أهل السنة والجماعة، لم يشاركهم فيها غيرهم من أهل البدع في الإيمان، المرجئة من جانب، والوعيدية من الخوارج والمعتزلة من الجانب الآخر، وذلك بناءً على اعتقاد أهل السنة من أن الإيمان يزيد وينقص، ويتبعض ويتشعب، كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما خالفهم فيه أهل البدع بسائر طوائفهم، فقد نفوا اجتماعَ الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية في الشخص الواحد.

والمقصود باجتماع الكفر والإيمان في قلب العبد: اجتماع أصل الإيمان مع الكفر الأصغر، أو النفاق الأصغر، أو الفسق الأصغر، والظلم الأصغر، أو أن يوجد في القلب شيء من الإيمان يُحبِطه الكفر الأكبر، ولا يزال موجودًا في القلب؛ كإبليس ظلّ يعرف ربَّه بعد أن أبى واستكبر، وكان من الكافرين، قال: ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى ‌يَوْمِ ‌يُبْعَثُونَ ) (الحجر:36) ، فقد أيقن أن الله ربه وأنه هو الذي يحيي ويميت ويُنظِر، وأنه يُقر بيوم يبعثون، وأن هناك بعثًا بعد الموت، ويقر بالقيامة، ومع ذلك كله فهو كافر؛ وذلك لأن الشرك محبط للعمل، كما قال -عز وجل-: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ) (سورة الزمر: 65 - 66) .

الشرك الأكبر، والنفاق الأكبر، والظلم الأكبر، والفسق الأكبر المخرج من الملة، قد يوجد في القلب معه شيءٌ من التصديق والمعرفة، بل وربما شيءٌ من أعمال القلوب، لكن زال من القلب بعضُها الآخر، وزال نُطق اللسانِ بالشهادتين، وحصل في القلب الإباء والاستكبار، فخَوُفُ إبليس من ربه -عز وجل- حين قال -سبحانه وتعالى-: ( وَإِذْ ‌زَيَّنَ ‌لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال: 48) ، ذلك مع استمرار الإباء والاستكبار في قلبه؛ أحبط أثر ذلك الخوف، كما أحبطَ أثر التصديق بوجود الله وربوبيته، وخلقه لعباده، وبَعثه لهم، والإقرار باليوم الآخر.

كما أن أهل الكتاب يقرون بالله -عز وجل- خالقًا رازقًا، بل يُقرون به معبودًا، وكذلك أقروا برسل الله في الجملة، وآمنوا برسلهم، وبالكتب المنزلة عليهم، لكنهم لمّا ادَّعوا لله -عز وجل- الولدَ؛ حبطتْ أعمالُهم بذلك، وحبطَ إيمانُهم، وكذلك لما كذّبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذّبوا كلام الله -عز وجل- المُنزّل عليه القرآن العظيم، فقد كذبوا الله؛ فقد كفروا بالله وأشركوا بالله، فحبط تصديقُهم؛ ولذا سماهم الله لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، في قوله -عز وجل-: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ‌وَلَا ‌يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (التوبة:29) ، فهذا في اجتماع شيء من التصديق -بل وبعض أعمال القلوب- مع وجود الكفر الأكبر في قلب الإنسان، فيحبطه، ولا يظهر أثره المعتبر شرعًا، بل الكفر هو الذي يبقى أثرُه حتى يُخلّد صاحبه في النار.

وأما المسألة الأولى في اجتماع الكفر والإيمان في القلب -أَعني اجتماع أصل الإيمان مع الكفر الأصغر والظلم الأصغر- فقد دلَّت عليها دلائل كثيرة، مثل: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّما عَبْدٍ أَبَقَ مِن مَوَالِيهِ فقَدْ كَفَرَ ) (رواه مسلم) ، وقال: ( ليسَ مِن رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُهُ إلَّا كَفَرَ ) (رواه مسلم) ، وقال للنساء: ( يَكْفُرْنَ ) قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: ( يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ) (رواه البخاري) ، وغير ذلك من الأدلة الدَّالَّة على اجتماع أصل الإيمان والكفر الأصغر، وهذا كله فرع على قاعدة الإيمان له أصل وكمال، وقد دلَّت عليه آية إحياء الطيور الأربعة في سورة البقرة، التي نحن في صدد فوائدها.

والمقصود بأصل الإيمان: هو الحد الذي مَن نقص عنه إيمانُه صار كافرًا، ومَن لم يبلغه لم يدخل في الإسلام، قال محمد بن نصر المروزي: "إِنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ مِثَقالَ ذَرَّةٍ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّهُ يَزْدَادُ بَعْدَهُ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ، فَإِنْ نَقَصَتِ الزِّيَادَةُ الَّتِي بَعْدَ الْأَصْلِ لَمْ يَنْقُصِ الْأَصْلُ" (تعظيم قدر الصلاة، 2/700) ، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وَهُوَ مُرَكَّبٌ -أي الإيمان- مِنْ أَصْلٍ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ وَمِنْ وَاجِبٍ يَنْقُصُ بِفَوَاتِهِ" (كتاب الإيمان الأوسط، 1/99) ، وقال: "ومَن ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا حتى يترك أصل الإيمان"، وقال أيضًا: "وهو -أي: الإيمان- في الكتاب بمعنيين: أصل وفرع".

ومما اتفق أهلُ العلم على أمور هي أصل في الإيمان، فمَن تركها فقد كفر، هي أصول أربعة متفق عليها، وقد اختلفوا فيما سواها؛ فالأصول المتفق عليها:

أولًا: قول القلب وهو ما لم يحدث فيه نزاع بين أهل القبلة، فضلًا عن أهل السُّنة؛ إلا ما كان من خلاف للكرّامية وغلاة الجهمية عند مَن فرَّق منهم بين الإقرار والتصديق.

الصفحة التالية