شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الفساد (116) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (7) ‏حرمة تمثيل شخصيات الأنبياء والرسل (1)‏

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مِن أسوأ ما وقعتْ فيه السينما: جرأتها على تجسيد شخصيات الأنبياء والرُّسُل في أفلامها السينمائية، وهو ما وقع فيه الغرب النصراني، وتابعهم عليه صُنَّاع الفيلم الشيعي الإيراني، وهو أمر اتَّفق علماء المسلمين على تحريمه قديمًا وحديثًا، وللأزهر في منع ذلك مواقف مشكورة يُحمَد عليها.

ومما لا شك فيه: أن للأنبياء وللرسل عامة "وللنبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة"، منزلة عالية في نفوس المسلمين جميعًا، منزلة تجمع بين الحب الكبير لهم والتعظيم والتقدير، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ ‌أَحَبَّ ‌إِلَيْهِ ‌مِنْ ‌وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (متفق عليه) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ‌شَاهِدًا ‌وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) (الفتح:8-9 ) .

وهم وإن كانوا بَشَرًا كسائر البشر، لكن الله حباهم بما ليس عند غيرهم؛ إذ جمعوا بين كمال الخِلْقَة والخُلُق، بما يجعل لهم في النفوس هيبة لهم وإجلالًا، ولقد كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يجلونه ويهابونه مع حبهم الشديد له وتواضعه معهم وحبه لهم، فكان منهم مَن لا يجرؤ على إدامة وإمعان النظر لوجهه -صلى الله عليه وسلم- مِن شدة تعظيمه له، وما مِن أحدٍ وصفه -صلى الله عليه وسلم- ممَّن صاحبه أو رآه إلا وأثنى عليه غاية الثناء والمدح بما لا يحظى بمثله غيره، وهم في ذلك صادقين غير مبالغين.

وهذا وحده كافٍ في منع تجسيد وتمثيل شخصيات الأنبياء والرسل عامة "والنبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة"، في الأفلام السينمائية والمسرحيات، والمسلسلات التليفزيونية والإذاعية، فإن محاولة تجسيد هذه الشخصيات بالصورة والصوت يجعلها عرضة لعبثٍ لا يليق بسيرة هؤلاء الأنبياء والرسل الكرام، وينتقص من مكانتهم وقدرهم.

فما بالك بعد ذلك وللرسل أحوال في حياتهم يختلفون فيها عن سائر البشر، منها: تلقي الوحي المنزل من السماء؛ فأنى لأحدٍ أن يجسِّد حاله عند تلقيه للوحي، وما أيدهم الله به من المعجزات؟!

بل ما بالك بتلاوته للقرآن في الصلاة وخارجها، وتعليمه القرآن لأصحابه وهو خير مَن تلا القرآن؛ أنى لأحدٍ أن يجسد شخصه وصوته في تلاوته للقرآن؟!

وما بالك بخطبه على المنبر، وهو خير مَن ارتقى المنابر؛ أنى لأحدٍ أن يجسِّد شخصه في خطبه؟!

وما بالك بمَن شق الملائكةُ صدره واستخرجوا من قلبه حظ الدنيا فيه؛ فأنى لأحدٍ أن يجسِّد مَن اكتمل باطنه وظاهره؟! ونحو ذلك كثير ...

ولقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أخلاق القرآن السامية وآداب الإسلام العالية، وشمائل الأنبياء والمرسلين بما يجعله لكلِّ مَن درس سيرته في مقدمة البشر خُلُقًا وأدبًا.

يقول محمود عباس العقاد: (وإنه لنافع للمسلم أن يقدر محمدًا بالشواهد والبينات التي يراها غير المسلم، فلا يسعه إلا أن يقدرها ويجري على مجراه فيها؛ لأن مسلمًا يقدر محمدًا على هذا النحو يحب محمدًا مرتين: مرة بحكم دينه (يعني إسلامه) الذي لا يشاركه فيه غيره، ومرة بحكم الشمائل الإنسانية التي يشترك فيها جميع الناس) ("مجموعة العبقريات، ص 10"، نقلًا مِن "محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه" من سلسلة "كتاب البيان" ط . أولى 1427 هـ - 2006م، ص 11) .

يقول زكي طليمات في تعريفه للتمثيل بأن التمثيل هو: (تقمص دور الآخرين وحالتهم ، أو استحضار صورة من شخص أو حادث وشبيه له، دون استحضار الشخص نفسه، وإعادة الحادث بكل تفصيلاته).

ويعرف أحمد حسن الزيات التمثيل بأنه: (تمثيل طائفة من الناس لحادثٍ متحققٍ أو متخيلٍ، لا يخرج عن حدود الحقيقة أو الإمكان) (راجع: "حكم ممارسة الفن في الشريعة الإسلامية" رسالة ماجيستير، إعداد: صالح بن أحمد الغزالي ط. دار الوطن - الرياض ط. الأولى 1417 هـ - ص 286، 285) .

فكيف يقوم أحد بالتمثيل -في حدود الحقيقة- لمَن بلغ الكمال البشري والعبودية الحقة لله ظاهرًا وباطنًا؟!

وإن تعذَّر بلوغ هذه الحقيقة؛ فهذا انتقاص فوق انتقاص في حق الأنبياء والرسل!

وهل يليق بمَن بلغ هذا الكمال البشري في الظاهر والباطن أن يُقَلَّد في شخصيته؟!

لقد وُجِد الأنبياء والرسل عامة والنبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة بيننا للاقتداء به واتخاذهم قدوة في أحوالنا اليومية، لا لبذل الجهد في تقمص شخصياتهم ومحاكاتهم.

قال القاضي عياض عن الأنبياء: (فإن أرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى مِن أوصاف البشر، متعلقة بالملأ الأعلى، متشبهة بصفات الملائكة ... فجعلوا مِن جهة الأجسام والظواهر مع البشر، ومِن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة) ("الشفا بتعريف بحقوق المصطفى" ط. دار التراث - القاهرة 1425 هـ - 2004م، ص 53) .

ويقول الشيخ محمد عبده عن الأنبياء: (فإنهم بمنزلة العقول من الأشخاص ... وهم في مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين: نهاية الشاهد وبداية الغائب، فهم في الدنيا ليسوا من أهلها، وهم وفد الآخرة في لباس مَن ليس مِن سكانها) ("الأعمال الكاملة، محمد عبده" تحقيق د. محمد عمارة، ط. بيروت 1972 م، ج 3، (راجع مقالة: "بالمنطق: استحالة التمثيل الدرامي للأنبياء والمرسلين" د. محمد عمارة - مجلة الأزهر - عدد ربيع الأول 1436 هـ - ديسمبر 2014م، ص 459) .

يقول د. محمد عمارة: (لذلك استحال تمثيل الأنبياء والمرسلين؛ لأن التمثيل محاكاة للواقع ... ونحن -بإزاء الأنبياء والمرسلين- أمام إعجاز مفارق للواقع، مستحيل على المحاكاة والتمثيل) (المصدر السابق) .

الصفحة التالية