الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (49) قصة إحياء الطيور الأربعة (11)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (البقرة:260) .
الفائدة السابعة:
ذكرنا في قاعدة: "الإيمانِ له أصلٌ وكمالٌ" الأصولَ الأربعةَ المتفق عليها في كونها أركانًا في أصل الإيمان، أما الأصول المختلف فيها، فهي: المباني الأربعة المذكورة في حديث جبريل -عليه السلام-؛ أي: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وبعض أهل العلم ألحقها كلها بالأصول، وأكثرهم لم يُلحق منها شيئًا، وبعضهم ألحق بعضها؛ بمعنى أنه يكفِّر مَن ترك شيئًا منها.
وهذه الأقوال كالتالي:
فمِن أهل العلم مَن يكفِّر تارك الصلاة تكاسلًا، وهذه أشهر المسائل التي فيها الخلاف، وهم يكفرونه بترك ثلاث صلوات -على قول-، أو صلاتين مجموعتين -على قول-، أو صلاة واحدة -على قول ثالث-.
وهؤلاء -الذين يكفرون بترك الصلاة- عامتهم إنما يكفرون تارك الصلاة تكاسلًا، إذا دعاه الإمام إلى الصلاة، وعرضه على السيف فأبى، فعند ذلك يكفِّرونه، ويوجبون قتله ردةً، وقالوا: إنه لا يُتصور أن يكون مُصدقًا بوجوب الصلاة ومُوقنًا بأن الله يعذبه على تركها، وفي قلبه تعظيم أمر الله والانقياد لأمره، ثم يفضِّل القتل على أن يصلي، فإذا صبر على القتل فلا يمكن إلا أن يكون كافرًا زنديقًا.
وبعضهم يكفر بترك الصلاة والزكاة، وبعضهم يكفر بترك الصلاة أو الزكاة إذا قاتل على منعها، وبعضهم يكفر بترك أي مِن الأركان الأربعة، وهذه الأقوال كلها في مذهب أحمد -رحمه الله تعالى-.
وإن كان مَن يكفرون بترك الصلاة بعضهم يكفر بالترك المجرد، وهو أضعف الأقوال عند الحنابلة، وإنما قال به الآجري وطائفة وافقته، ولكن عامة مَن يكفرون إنما يكفرونه إذا عُرض على السيف.
وجماهير العلماء لا يكفرون بترك شيء من الأركان الأربعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "مباني الإسلام الأربعة المأمور بها إن كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها؛ فإنه يُقاتَل بتركها عند جماهير العلماء (يقصد: إذا كانوا طائفة امتنعت عن الصلاة، وامتنعت عن أن تسلم تارك الصلاة للإمام؛ لكي يعاقبه على تركها) ويكفر أيضًا عند كثير منهم أو أكثرهم أو أكثر السلف (إنما قال ذلك؛ لأن جماهير المتأخرين من أهل العلم لا يكفرون تارك الصلاة، ونسبة التكفير إلى جمهور السلف فيه نظر).
وأما فعل المنهي عنه -الذي لا يتعدى ضرره صاحبه- فإنه لا يُقتَل به عند أحد من الأئمة، ولا يكفر به؛ إلا إذا ناقض الإيمان بفوات الإيمان، وكونه مرتدًا أو زنديقًا (قلتُ: بعض المنهي عنه قد ورد الشرع فيه بقتل صاحبه؛ مثل: رجم الزاني المحصن).
وذلك أن من الأئمة مَن يقتله ويكفره بترك كل واحدة من الخمس؛ لأن الإسلام بُني عليها، وهو قول طائفة من السلف، ورواية عن أحمد، اختارها بعض أصحابه.
ومنهم من لم يقتله ولا يكفره إلا بترك الصلاة والزكاة، وهي رواية أخرى عن أحمد، ومنهم من يقتله بهما ويكفره بالصلاة والزكاة إذا قاتل الإمامَ عليها، كرواية الإمام أحمد، ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره إلا بالصلاة، كرواية عن أحمد، ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره، كرواية عن أحمد، ومنهم من لا يقتله إلا بالصلاة ولا يكفره، كالمشهور من مذهب الشافعي" (انتهى من مجموع الفتاوى، 20/ 97) .
ويُلاحَظ هنا: أن هذه الأحكام هي الترك المجرد عن الجحود والاستكبار، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "مردود النزاع هو فيمن أقرَّ بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها، وأما مَن لم يقر بوجوبها فهو كافر باتفاقهم" (انتهى من مجموع الفتاوى، 20/ 97) .
بناءً على ذلك، فالخلاف فيمَن ترك المباني الأربعة -وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج- متكاسلًا لا جاحدًا ولا آبيًا ولا مستكبرًا؛ وذلك بأن يقر أنه مخطئ، وأن الصلاة فرض، وأنها تلزمه = فالخلاف فيه سائغ.
بخلاف الجاحد الذي يقول: صوم رمضان ليس فرضًا! والآبي الذي يقول: لا يلزمني أن أصوم! فالمتكاسل هو الذي يُفطر في رمضان مع إقراره بفرضيته، بحجة أنه متعب أو جائع، أو لا يخرج الزكاة بخلًا بها، بزعم قلة المال وكثرة الحقوق وخوف الفقر، أو رجل لا يحج مع الإقرار بوجوبه، بحجة ارتفاع حرارة الجو ومشقة السفر إلى الحج وكثرة الزحام الذي لا يحتمله في ظنه؛ فهذا تارك لهذه الأركان تكاسلًا لا جحودًا.
وهذا المتكاسل هو الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء؛ منهم مَن يكفره كفرًا أكبر، ومنهم مَن لا يكفره كفرًا أكبر؛ بل أصغر، والقول الثاني هو قول جمهور العلماء.
وأما منزلة الخلاف في هذه المسألة، فهي مِن مسائل الخلاف السائغ؛ فليس هناك خلاف أنه لو أبق عبد من سيده أنه ليس بكافر؛ مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أيُّما عَبدٍ أبَقَ مِن مَواليهِ، فقد كفَرَ ) (رواه مسلم) ، فنعني أنه ليس كافرًا كفرًا أكبر بالإجماع، فهذا الكفر -باتفاق أهل السنة وإجماعهم- محمول على أنه كفر دون كفر.
والمرأة التي لا تطيع زوجها ليس هناك خلاف في أنها ليست كافرة كفرًا ناقلًا عن الملة، مع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سمَّى عدم طاعة الزوج كفرًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للنساء: ( يا مَعْشَرَ النِّساءِ، تَصَدَّقْنَ وأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفارَ، فإنِّي رَأَيْتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ، فَقالتِ امْرَأَةٌ منهنَّ جَزْلَةٌ: وما لنا يا رَسولَ اللهِ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ؟ قالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ ) (متفق عليه) ، وليس هناك خلاف بأنه كفر دون كفر، وكذا مَن ترك برَّ والديه.
