شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات مع آيات (19) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ... ) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول

الله، أما بعد؛

فقد قال - تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى

طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا

طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ

يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ

الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ

أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ

اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ

كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ) (الأحزاب:53) .

قصة نزول الآية:

قال ابن كثير -رحمه الله-: "كان وقت نزولها في صبيحة

عرس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بزينب بنت جحش، التي تولَّى الله -تعالى- تزويجها

بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة، والواقدي، وغيرهما.

قال البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "لما تزوج

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون،

فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام مَن قام، وقعد

ثلاثة نفر، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا

فانطلقت، فجئت فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت

أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله: ( يَا

أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ) الآية".

وفى رواية أخرى قال أنس: "ولقد رأيتنا حين دخلت زينب على رسول الله -صلى الله عليه

وسلم-، أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد

الطعام، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم

عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد

خرجوا أو أخبر، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني

وبينه، ونزل الحجاب، ووعظ القوم بما وعظوا به، (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ

إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) (الأحزاب:53) ، الآية كلها.

التفسير العام للآية:

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تدخلوا

بيوت النبي إلا بإذنه لتناول طعام، غير منتظرين نضجه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا

أكلتم فانصرفوا غير مستأنسين لحديث بينكم؛ فإن انتظاركم واستئناسكم يؤذي النبي فيستحيي

من إخراجكم من البيوت مع أن ذلك حق له، والله لا يستحيي من بيان الحق وإظهاره، وإذا

سألتم نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاجة من أواني البيت ونحوها، فاسألوهن

من وراء ستر؛ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء،

وللنساء في أمر الرجال؛ فالرؤية سبب الفتنة، وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا

أن تتزوجوا أزواجه من بعد موته أبدًا؛ لأنهن أمهاتكم، ولا يحلُّ للرجل أن يتزوج

أمَّه، إنَّ أذاكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونكاحكم أزواجه من بعده إثم عظيم

عند الله، وقد امتثلت هذه الأمة هذا الأمر، واجتنبت ما نهى الله عنه منه) (المختصر في التفسير -مركز

تفسير للدراسات القرآنية) .

فوائد حول الآية (1) :

1- حقوق المضيف على الضيف (2) :

- لقد أمر الإسلام بإكرام

الضيف، حتى جعلها عبادة، وعلامة على الإيمان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ

ضَيْفَهُ ) (متفق

عليه) .

- وفي المقابل، فهناك جملة من حقوق المُضيف على الضيف منها:

1- الاستئذان في الدخول: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ

إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ )، قال الشوكاني -رحمه الله-: "نهى الله

المؤمنين عن ذلك في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودخل في النهى سائر المؤمنين".

2- الحضور في الموعد المحدد: ( إِلَّا

أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا

دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا ).

3- ألا يطيل البقاء بما يحرج مضيفه، ما لم يأذن بذلك: قال

-تعالى-: ( فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ

لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ

لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ )، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أنْ يُقِيمَ عِنْدَ أخِيهِ حتَّى

يُؤْثِمَهُ ) قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ يُؤْثِمُهُ؟ قالَ: ( يُقِيمُ عِنْدَهُ ولا شيءَ له يَقْرِيهِ بهِ ) (متفق عليه) .

4- ألا يصطحب معه من لم يأذن

له المُضيف، فإن فعل استأذن له: عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: إن رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ

يُقَالُ له: أَبُو شُعَيْبٍ، وَكانَ له غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسولَ اللهِ -صلى

الله عليه وسلم- فَعَرَفَ في وَجْهِهِ الجُوعَ، فَقالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَكَ، اصْنَعْ

لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ، فإنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النبيَّ -صلى

الله عليه وسلم- خَامِسَ خَمْسَةٍ، قالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النبيَّ -صلى الله

عليه وسلم- فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ

البَابَ، قالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ هذا

اتَّبَعَنَا، فإنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ له، وإنْ شِئْتَ رَجَعَ ) قالَ: لَا،

بَلْ آذَنُ له يا رَسولَ اللَّهِ. (متفق عليه) .

5- النصح للمضيف في استبقاء

ما ينفعه وأهله، لا سيما عند الحاجة: ففي قصة ضيافة أبى الهيثم -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه

وسلم- وصاحبية وأنه: فَجَاءَهُمْ بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقالَ: كُلُوا

الصفحة التالية