وقفات مع آيات (20) (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله تعالى: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) (الفتح: 1-3) (1) .
قصة نزول الآيات:
- قال ابن كثير -رحمه الله-: "روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذٍ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله -عز وجل-: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ )؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمه له، قال: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) فذلك علامة أجلك ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا )، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ )، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نعيت إلى نفسي" فإنه مقبوض في تلك السنة، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نعي إليه" (انتهى) .
وقفات حول الآيات:
(1) ملخص مشاهد المسيرة النبوية حتى الرحيل:
لا بد لكل من وقف على هذه الآيات أن يستحضر مشاهد الكفاح النبوي لإبلاغ دين الله إلى الخلق، ولا بد على كل مسلم أن يعرف عظيم الجميل، والمعروف لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) .
- مشهد بدء الوحي والتكليف: نزول ( اقْرَأ ) (العلق:1) ، ونزول: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ ) (المدثر:1-2) .
- مشهد إشراق شمس الإسلام من على جبل الصفا: "قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، أنذرتكم النار".
- مشاهد الصد والتكذيب والسخرية، والإيذاء والتعذيب والقتل: (التشويه والتشويش - تعذيب وقتل الأتباع).
- الحصار الجائر في الشِّعب، وموت النصيرين: أبي طالب وخديجة.
- مشاهد الهجرة، وترك الديار والأموال: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) (الأنفال:30) ، ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) (العنكبوت:56) ، ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ) (الحشر: 8) .
- مشاهد استقبال الأنصار للمهاجرين، ثم للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) (الحشر: 9) .
- مشهد بناء المجتمع (الإسلامي) الجديد: (المسجد والشعائر - المؤاخاة - التشريعات والأحكام).
- مشاهد الحرب العالمية على الإسلام: (بدر، أُحُد، الأحزاب - تبوك - ... ).
- مشاهد الفتح والعودة إلى الأهل والوطن: ( لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ) (الفتح: 27) .
- مشاهد دخول الناس في دين الله أفواجًا (كان المسلمون في أول الإسلام عشرات، ويوم الحديبية كانوا (1400)، ويوم حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا (100000): وهنا قال تعالى: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ).
(2) مشاهد الاستعداد للقاء الله بعد إكمال الدين:
- الآية تحمل التوجيه بالاستعداد للقاء ربك، والرحيل عن الدنيا، وكيف يكون: ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ).
- النبي العظيم -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم البشرية شكر النعمة، وحسن الاستعداد للقاء الله بالإكثار من العمل الصالح وكثرة الاستغفار: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر في آخر أمره من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه"، وقال: "إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابًا، فقد رأيتها": ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) (رواه مسلم، وأحمد واللفظ له) .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) حتى ختم السورة، قال: نعيت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه حين أنزلت، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة" (رواه الطبراني والنسائي، وحسنه الألباني) .
- التفسير العام الذي قاله الصحابة في مجلس عمر بسبب النزول، لا ينافي سبب النزول؛ فإنه يستحب للمسلمين إذا حصلت لهم نعمة، أو جاء نصر من الله، أن يشكروا على ذلك بالإكثار من الصلاة والاستغفار، بخلاف أهل الفسوق والغفلة (يحتفلون بالنصر بكل ما يبعدهم عن الله!)، ففي حديث أم هانئ عند البخاري: "أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ فتحِ مَكَّةَ اغتسلَ في بيتِها وصلَّى ثمانيَ رَكعاتٍ"، قال ابن كثير: "وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن".
