التفاوض في العمل التطوعي (فن بناء الجسور) (1)
غريب أبو الحسن • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي بقعةٍ من الأرض توجد العشرات مِن الجزر المتقاربة، يسكن في كلِّ جزيرة قبيلة من القبائل أنعم الله على كل قبيلة بمورد خاص لها الذي يميزها عن غيرها ، ولكل قبيلة عاداتها وطرق معايشها وطموحاتها، وكأي مكان أنعم الله عليه بالخيرات يكون مطمعًا لأعدائهم ومحط أنظار الكارهين لهم، وبعد استشعارهم بالخطر؛ قرر زعماء تلك الجزر: أن يبدأوا مفاوضاتٍ لبناء سلسلة مِن الجسور بينها كبداية للوحدة بينها ولتسهيل الانتقال بينها لتعزيز الدفاع المشترك ضد أعداء الخارج؛ تخيَّل نفسك ستكون على رأس وفد أحد هذه الجزر لتخوض المفاوضات للبدء في بناء هذه الجسور.
سيلزمك الانتباه لمجموعةٍ مِن الخطوات والإجراءات:
- سيلزمك أن تكون على قدرٍ كبيرٍ مِن معرفة مبادئ قبيلتك حتى لا تخالفها.
- ومطَّلِعًا على الظروف المحيطة التي دَفَعَتْ لهذه المفاوضات حتى توظفها.
- ومدركًا لحدودك التفاوضية، وما الحد الأقصى من التنازلات التي ستقدِّمها حتى لا تتجاوزها.
- ثم مطلعًا على قضية التفاوض مثل الهدف منها، وتكلفة تلك الجسور، والزمن اللازم لإنجازها، وربط ذلك بمقدرات وقدرة جزيرتك؛ حتى لا تحلق بخيالك بعيدًا.
- ثم معرفة دقيقة بالجزيرة التي ستتفاوض معها، والاطِّلاع على عاداتهم وتاريخهم في التفاوض؛ لتتجنب أي تصرف قد يتسبب في عرقلة العملية التفاوضية.
- ثم معرفة بالصفات الشخصية للفريق المفاوض؛ لتعرف كيف تصنع جوًّا من المودة تمهيدًا لعملية تفاوضية ناجحة.
- ثم تحديد قدر المعلومات التي ستصرح بها، ولن تؤثِّر على موقفك التفاوضي .
- ثم تكون على قدرة مِن طرح البدائل المختلفة والمتدرجة التي مِن شأنها أن تكون مقنعة وتحقق مصلحة قبيلتك، ومصلحة القبيلة المفاوضة كذلك، وأن تكون قادر على طرح البراهين التي تثبت صلاحية هذه الاقتراحات.
- ثم قادرًا على عقد الاتفاقات اللازمة ثم متابعة مخرجات هذه المفاوضات من اتفاقات وإجراءات.
- تسمى العملية النقاشية السابقة "بمهارة التفاوض"، فمهارة التفاوض هي كمهارة بناء هذه الجسور، فالغرض مِن العملية التفاوضية هو بناء تلك الجسور بيننا وبين محيطنا من مؤسسات ليسهل التعاون والتفاهم؛ لما فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، وتعاون على البر والتقوى، لتحل ثقافة التفاهم محل ثقافة النزاع والمشاحنة.
- لذلك ينبغي أن تدخل أي تفاوض بنفسية مَن يريد بناء هذه الجسور لا بنفسية مَن يريد أن يفحم الطرف المفاوض له ويجرده من أي مكسب؛ لأن عملية التفاوض هي عملية ثنائية أو متعددة الأطراف يريد كل طرف أن ينتصر فيها، ولكي ينتصر لا بد أن يشعر الطرف الآخر في المفاوضات أنه أيضًا قد حقق مصالحه.
- فالتفاوض من المهارات الأساسية التي يحتاج إليها الإنسان في حياته، فيحتاج لها في عمله مع إدارة عمله، ومع زملاء العمل، وكذلك يحتاجها في بيعه وشرائه، وفي بيته عند إدارة شئون البيت وتقسيم الحقوق والواجبات بين أفراد أسرته، وكذلك في عمله التطوعي؛ فبالتفاوض يستطيع الإنسان الانتصار في خلافاته وعقد الاتفاقات، وإبرام الصفقات دون عنفٍ، ويستطيع الإنسان تعزيز مصالحه، وبناء جسور من العلاقات بينه وبين محيطه.
تعريف التفاوض:
للتفاوض العديد من التعريفات، نختار منها:
- أن التفاوض هو عملية نقاشية تتم بين طرفين أو عِدَّة أطراف يتم فيها تبادل المعلومات ثم المساومة للوصول لاتفاق يحقق المصالح المشتركة لأطراف التفاوض.
أهمية التفاوض:
- التفاوض بديل عن الصراع، فتبرز أهمية مهارة التفاوض في أنها وسيلة جيدة لحل النزاعات بطرق سلمية، وتجنبنا النزاعات وتجاذباتها التي تؤدي في نهاية المطاف لخسارة جميع الأطراف.
- كذلك تمكنا مهارة التفاوض من تعزيز مصالحنا، وحصار المشكلات والخلافات عن طريق النقاش، ورسم طريق ثالث بين المتنازعين يعمل على تحقيق مصالحهم المشتركة.
- تقدِّم عملية التفاوض حلولًا بعيدة المدي تصلح أن تكون قاعدة نبني عليها طرقًا مستقرة لحلِّ النزاعات.
- ترسِّخ عملية التفاوض العلاقات السوية بين الناس، ف ي تفهم كلُّ طرف لاحتياجات الآخر ويعمل على بناء علاقات مستقرة بعيدة عن جوِّ الصراعات التي تسبب القطيعة والنفرة.
- توفر عملية التفاوض الجهد البدني والمادي والمعنوي والمالي لاستغلال تلك الجهود في الأعمال البنائية، والتي تعود بالنفع المباشر على المجتمعات.
- أهمية التفاوض للعمل التطوعي خاصة.
- يحتاج العمل التطوعي لبيئة مستقرة لكي ينمو ويؤتي بثماره، فالعمل التطوعي أشبه بالأراضي الزراعية، والتي تحتاج للرعاية والانتقال من تمهيد الأرض للبذر للري والحماية من الآفات للحصاد، ولكي تتم كل تلك المراحل لا بد أن تكون البيئة مساعدة على ذلك، فالمطر الغزير والفيضانات والعواصف تعيق من نمو الزراعات وتتلف المحصول، وكذلك فالصراعات والخصومات هي في الحقيقة معوقات وعوامل تعرقل العمل التطوعي، فينبغي العمل على تجنبها قَدْر المستطاع.
أنواع التفاوض:
- هناك العديد مِن أنواع المفاوضات من حيث قضية التفاوض، ومن حيث وسيلة التفاوض، ومن حيث بيئة التفاوض.
- فهناك المفاوضات التكاملية والتوزيعية، والتكاملية حين يكون نتيجة التفاوض هي تقسيم الشيء الواحد، والذي هو موضوع التفاوض على مجموعةٍ مِن الجهات، كأن تتعاون مجموعة من الجمعيات على القيام بحملة تبرع للدم بحيث تقوم كل جمعية بخطوة من الخطوات داخل هذه الحملة الواحدة، ويكون التفاوض حول دور كل جمعية في هذه الحملة.
أما المفاوضات التوزيعية فهي: توزيع عددٍ مِن الأعمال على عددٍ مِن الهيئات، وكل عمل مِن هذه الأعمال قائم بذاته، كأن يوجد العديد من الأعمال المختلفة، وتقوم كل جمعية بعمل مستقل كأن تقوم جمعية بحملة للتبرع بالدم، ثم تقوم الأخرى بحملة لتشجير المدينة، بينما تقوم الثالثة بإقامة معارض للسلع.
