شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (52) قصة إحياء الطيور الأربعة (14)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -عز وجل-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (البقرة:260) .

الفائدة العاشرة:

إن هذه الآية العظيمة -إحياء الموتى- التي أراها اللهُ -عز وجل- إبراهيمَ -صلى الله عليه وسلم- قد أرى نبيَّه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- آياتٍ أعظم منها في المعراج، كما قال -تعالى-: ( ‌مَا ‌كَذَبَ ‌الْفُؤَادُ مَا رَأَى . أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى . عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) (النجم:11-18) .

ومدحه الله -عز وجل- أعظم مدحٍ، فقال: ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى )، فكان ما رآه مِن غير سؤال ولا تطلع منه لما أوريه، ولا زيغٍ عما يرى من هوله وعظمته، فرأى جبريل -عليه الصلاة والسلام- على صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سد أفق السماء، وهو المقصود بقوله -تعالى-: ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى )، والنزلة الأولى: كانت بالأفق المبين بالأرض في أجياد مكة، قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ . وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ . وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ) (التكوير:23-25) .

وفي مسند أحمد وسنن النسائي بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: "رأى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جبريلَ في صورتِه وله ستُّمائةِ جَناحٍ، كلُّ جَناحٍ منها قد سدَّ الأفُقَ، يسقُطُ مِنْ جَناحِه مِنَ التهاويلِ والدُّرِّ والياقوتِ ما اللهُ به عليمٌ"، والتهاويل: الجواهر العظيمة"، ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- سدرة المنتهى، وما يخرج منها من الأنهار، وما يتغشاها من الفراش الذي من ذهب والألوان، ففي صحيح مسلم، من حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة -رضي الله عنهما- ذكر قصة المعراج، وفيه: ( ثُمَّ انْطَلَقْنا حتَّى انْتَهَيْنا إلى السَّماءِ السَّادِسَةِ، فأتَيْتُ علَى مُوسَى -عليه السَّلامُ-، فَسَلَّمْتُ عليه، فقالَ: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنبيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: رَبِّ، هذا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِن أُمَّتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرُ ممَّا يَدْخُلُ مِن أُمَّتِي، قالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنا حتَّى انْتَهَيْنا إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ، فأتَيْتُ علَى إبْراهِيمَ، وقالَ في الحَديثِ: وحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- أنَّه رَأَى أرْبَعَةَ أنْهارٍ يَخْرُجُ مِن أصْلِها نَهْرانِ ظاهِرانِ، ونَهْرانِ باطِنانِ، فَقُلتُ: يا جِبْرِيلُ، ما هذِه الأنْهارُ؟ قالَ: أمَّا النَّهْرانِ الباطِنانِ فَنَهْرانِ في الجَنَّةِ، وأَمَّا الظّاهِرانِ: فالنِّيلُ والْفُراتُ )، وفي غير الصحيح عن مقاتل: "الباطنان" هما: السلسبيل والكوثر. والله أعلم.

وفي رواية في الصحيح: ( النِّيلُ والفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا )، وهذا يدل على أن أصل هذين النهرين العظيمين كانا في السماء ولا يزالا، ونزل منهما هذا الجزء الذي يجري في الأرض إلى الآن؛ ولذا نرجو الله -عز وجل- أن لا يضمحل هذان النهران أبدًا؛ لبركة مصدرهما، ويبقى الجزء الأكبر منهما في السماء.

وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود قال: "لَمّا أُسْرِيَ برَسولِ اللهِ -صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-، اُنْتُهي به إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، وهي في السَّماءِ السّادِسَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ به مِنَ الأرْضِ فيُقْبَضُ مِنْها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ به مِن فَوْقِها فيُقْبَضُ مِنْها، قالَ: ( إِذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى )، قالَ: فَراشٌ مِن ذَهَبٍ، قالَ: فَأُعْطِيَ رَسولُ اللهِ -صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- ثَلاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ باللَّهِ مِن أُمَّتِهِ شيئًا، المُقْحِماتُ".

وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- في قصة المعراج، قال: ( ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فقِيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بإبْراهِيمَ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وإذا هو يَدْخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بي إلى السِّدْرَةِ المُنْتَهَى، وإذا ورَقُها كَآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُها كالْقِلالِ (وفي رواية: "كقِلالِ هَجَر"، وهي: الجَرَّة العظيمة) قالَ: فَلَمَّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللهِ ما غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْعَتَها (أي: يصفها) مِن حُسْنِها )، وفي رواية: ( وغَشِيَهَا ألْوَانٌ لا أدْرِي ما هي ) (أي: من الجمال العجيب والألوان العجيبة).

وذكر النووي -رحمه الله- الجمع بين ما ورد في حديث أنس من أن سدرة المنتهى في السماء السابعة، وفي حديث ابن مسعود أنها في السماء السادسة؛ بأن أصلها في السماء السادسة، ومعظمها في السابعة، فقد علم أنها في نهاية مِن العِظَم، والله أعلى وأعلم.

الصفحة التالية