الرد على الكاتب الليبرالي "سعد الدين الهلالي" في دعوى عدم تطبيق معايير الحلال والحرام في الفن!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فللأسف لا يكاد يخلو عملٌ فنيٌّ مِن أمرٍ يُخَالِف الأحكام الشرعية، بل لا يكاد يخلو عملٌ مِن وجود بعض الكبائر؛ فإما مَشَاهِد تعاطٍ للمخدرات أو شرب الخمور، وإما حياة الملاهي الليلية، أو الفواحش المتعلقة بالشهوة الجنسية، أو العدوان على الدماء في الأعمال التي تتناول تفاصيل حياة البلطجية!
ولكن هذه الأعمال التي تُنتَج في بلادنا توجد رقابة تغل أيدي صُنَّاع الفيلم بعض الشيء، وتفرض عليهم في كثيرٍ مِن الأحيان أن يتضمن العمل الإشارة إلى أن عاقبة هذه الأمور وخيمة، وفي واقع الأمر فإن هذا يؤدي في النهاية إلى نشر هذه المنكرات لا محاربتها!
كما رأينا كيف ساهمت الأعمال التي عالجت ظاهرة البلطجة في انتشار محاكاتها بكامل تفاصيلها في مشاهد حقيقية؛ ذلك لأن الفيلم أو المسلسل يظل طوال الوقت يعرض البلطجي، وهو يحقق هدفه ويهزم أعداءه، ويمر مِن كبوة إلى أخرى، إلى أن يتعلق به الجمهور "لا سيما من القريبين من شخصية البطل سنًّا"، وفي آخر حلقة مِن المسلسل أو آخر عشر دقائق من الفيلم نفاجأ بتغير دراماتيكي لكي يتجه البطل إلى التوبة، أو فجأة تحل عليه العقوبات الإلهية، وفي بعض الأحيان يقع في قبضة الشرطة، وهم بذلك يزعمون أنهم أعطوا رسالة، وهي: بيان عاقبة هذا السلوك! (البلطجة في هذا المثال).
وبالطبع ينسى الجمهور تلك اللحظات الكئيبة التي جَارَ فيها المؤلف على البطل بعد ارتباطهم به، وتبقى طريقة لبس البطل، وطريقة شربه للمخدرات، وطريقة انتقامه من خصومه هي التي تلتصق بالأذهان!
ولكن الموجة الجديدة من الأعمال الفنية لا سيما تلك التي تُنتج في منصات الفضاء الإلكتروني حيث يتلاشى القدر الضئيل الذي تفرضه الرقابة مِن تضمين العمل شيئًا عن كون هذه جرائم؛ فأصبحت تلك الأعمال تعرض لك الفواحش كواقعٍ يتعايش معه كلُّ مَن في الفيلم؛ مما يعني تطبيعًا مجتمعيًّا صريحًا مع هذه الفواحش، فإن اعترض معترض؛ قال صُنَّاع العمل ما معناه: إنهم اختاروا مجتمعًا صغيرًا سافلًا ومنحطًا، وعرضوه من باب عرض الواقع!
وبالطبع وصفه بأنه سافل ومنحط هذه قد تُقَال في الدفاع لتمرير العمل، ولكن العمل ذاته يختار لمثل هذا الانحطاط نجومًا محبوبين؛ بالإضافة إلى التصوير، والإضاءة، والكاميرا، ونسبة بعض الأخلاق الفاضلة أو المواقف النبيلة التي يزجها المؤلف ليجمِّل بها أبطالَ الرذيلة؛ مما يعني أن الموجةَ الجديدة تستهدف درجة أعلى مِن التطبيع مع هذه الفواحش!
ومن هذه الأعمال فيلم "أصحاب ولا أعز!"؛ الذي أنتجته شبكة نتفلكس التي تعرض أفلامها على موقعها، وقد كسر هذا الفيلم وتجاوز كل أسقف الرقابة -أو اللياقة-؛ مما استفز كلَّ الغيورين، وعلى رأسهم: "الأزهر"؛ مؤسسة وشيخًا، وانتقده كثيرٌ مِن الإعلاميين -جزاهم الله خيرًا-.
ومِن جملة مَن اتخذ موقفًا ضد هذا الفيلم: "حزب النور" الذي تقدَّم ببيانٍ عاجلٍ من خلال رئيس كتلته البرلمانية "الدكتور أحمد خليل"، وعلى إثره تمت مداخلة من النائب أحمد حمدي مع الإعلامي "عمرو أديب" وضَّح فيها أسباب رفض الفيلم، وبيَّن فيها أن سقفَ الحرية ينتهي عند مخالفة الشريعة، فقال: "أنت حر ما لم تعصِ الله!"، ليستضيف الإعلامي "عمرو أديب" بعدها الكاتب الليبرالي "سعد الدين الهلالي" فقال كلامًا خطيرًا مِن بينه: الرد على الدكتور "أحمد حمدي" في أن القاعدة الصحيحة هي "أنت حر ما لم تخالف القانون!"، و"أنت حر ما لم تعتدِ على حرية غيرك!"، وأنه لا ينبغي أن نتكلم عن الأمور المحرمة ما دامت في حق الله؛ لأن مدارها على التسامح، وإنما نتحدث عن القانون!
وبالتالي لا تستغرب -أخي القارئ- مِن أنني نعتُّه بالكاتب الليبرالي مع أني أعلم أنه أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، وذلك لأمورٍ، منها:
أولًا: أن الجامعةَ التي منحته درجة الدكتوراة ثم الأستاذية قد تبرَّأت مِن أقواله، واعتبرت أقواله شاذة، وغير معتدٍ بها!
ثانيًا: عِلْم الفقه -كما نعلم- هو العلم المعني ببيان الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين، ومِن المتفق عليه بين أئمة الفقه قاطبة عند أهل السُّنَّة -بل عند غيرهم من فقهاء الفِرَق الضالة: "كالزيدية، والإباضية، والاثني عشرية"-: أن ما مِن فعلٍ يُتصوَّر صدوره عن مكلَّف؛ إلا ولا بد أن له حكمًا شرعيًّا؛ فإما أن يكون مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك، أو مستوي الطرفين.
وقد يختلفون في عدد الأقسام التي يتفرَّع إليها كلُّ قسم مِن هذه الثلاثة، والجمهور يقولون: مطلوب الفعل يشمل: الواجب، والمستحب، ومطلوب الترك يشمل: الحرام، والمكروه، وأما مستوي الطرفين؛ فهو المباح أو الحلال.
فإذا كنا نتكلم عن المعاملات -والتي الأصل فيها الإباحة-؛ إلا إذا طَلَبَ الشرعُ تركها طلبًا جازمًا؛ فتكون محرمة، أو طلب تركها على سبيل الأفضلية، فيُقَال: إنها مباحة مع الكراهة؛ فهذا يعني أنه ما مِن فعلٍ في أي جانبٍ مِن جوانب الحياة يتصور أن يفعله مكلفٌ؛ إلا وهو إما حلال، وإما حرام، وبالتالي: لا يتصور مِن: عالمٍ في الفقه، أو طالب علم، أو طويلب علم أن يقول: إن فعلًا ما مِن أفعال المكلَّفين يخرج عن دائرة البحث: هل هو حلال أو حرام؟
وبالتالي: فمَن يردد أن بابًا ما مِن الأبواب لا تعلُّق له بالحلال والحرام، يكون قد أخرج نفسه تمامًا من زمرة مَن ينتسِبون إلى الفقه؛ إلا أننا إذا تأملنا، وجدنا "الكاتب الليبرالي الهلالي": أنه متى سُئِل عن شيءٍ مما اعتاده الناس ويوجد مَن قال بجوازه بدليلٍ أو بغيره مِن أهل السنة، أو مِن غيرهم؛ انبرى مفتيًا متحدِّثًا أن هذا الأمر حلال في دين الله كما فعل مِن قَبْل في النبيذ، وغيره! فإذا وَجَد أنه لا سبيل إلى استخراج فتوى بتحليله هَرَب مِن ذكر الحكم الفقهي إلى ذكر الحكم القانوني، وهو ما يقودنا إلى النقطة الثالثة:
