الفساد (118) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (9) أكاذيب الروايات والأفلام التاريخية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتقوم صناعة الأفلام التاريخية على كتابة الرواية التاريخية، حيث يشكِّل التاريخ مصدرًا ثريًّا للحكايات والروايات، ومن خلال الرواية التاريخية المكتوبة يعيد الراوي صياغة التاريخ وَفْق منظور فني يستوعب إحساس الرأي العام والوجدان الشعبي وتطلعاته.
ومن هنا ارتبطت الأفلام التاريخية بالرواية التاريخية، ففي الرواية التاريخية يضع الكاتب -أو الروائي- بصمته ورؤيته وتصوره للحدث أو الشخصية التاريخية، وفي الفيلم التاريخي يضع مخرج الفيلم تصوره ورؤيته لتصوير هذه الرواية التاريخية.
وعلى ذلك ومن خلال هذه الكتابة الأدبية وهذه الدراما السينمائية لم تعد الرواية التاريخية أو الفيلم التاريخي مجرد سرد جاف للأحداث كما وقعت في الماضي.
الرواية التاريخية:
(لقد عرفت الرواية التاريخية على أنها مزيج ما بين التاريخ والخيال بأسلوب روائي مبني على معطيات تاريخية، وكلما كانت هذه المعطيات دقيقة وغير مشكوك في صحتها سهلت عملية السرد الروائي الناقد (جورج لوكاتش) في كتابه تاريخ الرواية -وهو من أهم المصادر عن الرواية التاريخية- يعرف الرواية التاريخية بأنها: (رواية تاريخية حقيقية، أي: رواية تثير الحاضر، ويعيشوها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق للذات)، وهنا يأتي دور الكاتب الروائي في أن يضفي على الوقائع التاريخية رؤاه وتجاربه وتحليلاته، كما يضيف إليها من خياله قصصًا وشخوصًا وأحداثًا جانبية على هامش الأحداث التاريخية) (راجع مقال: (الجزء المنسي أو المخفي) كتابة (قاتا يامبا) من جنوب السودان - المجلة العربية - الرياض - عدد ذي الحجة 1442 هـ - يوليو 2012، ص 36) .
(إن عبارة: "الرواية التاريخية" لا تخلو من مفارقة إذ هي تقوم على التأليف بين كلمتين قد يكون الربط بينهما عسيرًا إن لم نقل محالًا هما الرواية والتاريخ، فلئن كان يجمع بينهما أن كلًّا منهما خطاب لغوي يوجهه باث إلى متقبل ليعلمه، وليوقع فيه أثرًا فإن الفرق بينهما يكمن في طبيعة كل منهما؛ ذلك أن الخطاب التاريخي يعرف بكونه مرجعيًّا أو وقائعيًّا في حين أن الخطاب الروائي يقدِّم بوصفه تخييليًّا.
والمقصود بالخطاب المرجعي هو الخطاب الذي يستهدف التعبير عن تجربة معيشة واقعة لغايةٍ نفعيةٍ، في حين أن الخطاب التخييلي هو ذلك الخطاب الذي لا يحيل على حقيقة تاريخية خارجة عنه، بل يصور عالمًا مبتكرًا متخيلًا؛ إما بطريقة مخترعة، وإما بطريقة واقعية، أي: مشاكلة لما يحدث في الواقع لإحداث أثر جمالي) (راجع مقال: "صراع المرجعي والتخييلي" كتبه دكتور محمد القاضي من تونس - المجلة العربية العدد السابق، ص 38) .
ويعد القرن السابع عشر الميلادي هو القرن الممهد لظهور فن الرواية عامة في أوروبا، وفي القرن التالي أخذت في التشكل، أما الرواية التاريخية في أوروبا فكانت نشأتها الفعلية في القرن التاسع عشر الميلادي.
في كتاب: (الرواية التاريخية) يتبنى جورج لوكاش (أطروحة مفادها: أن الرواية التاريخية وليدة بداية القرن التاسع عشر، مع سقوط نابليون. وفي تحليله للسياق الاجتماعي والتاريخي لظهورها يركز على الثورة الفرنسية وآثارها على (وولتر سكوت)، الذي جعلها الأساس التاريخي لمنجزه الروائي، وهو يناهض الحركة الرومانسية التي كانت سائدة.
تشكَّلت الرواية التاريخية في الغرب وتطورت مع الزمن باعتبارها نوعًا سرديًّا صارت له مع الزمن تاريخية خاصة) (راجع مقال: "السيرة الشعبية وجذور الرواية التاريخية العربية" كتبه سعيد يقطين من المغرب - المجلة العربية العدد السابق، ص 43 بتصرفٍ) .
أما في منطقتنا العربية: فظهرت الرواية التاريخية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. واستندت بدايات كتابة الرواية العربية -التي هي امتدادا للرواية الغربية- إلى التاريخ بوصفه منهلًا فبدأت الرواية العربية بالرواية التاريخية كما وقع في الغرب، (حيث أصدر سليم البستاني (1848- 1884) ثلاث روايات، فكان بذلك رائد الرواية العربية التاريخية الذي فتح الطريق إلى غيره، ثم تلاه جورجي زيدان (1861- 1914) الذي كتب اثنتين وعشرين رواية تاريخية، أطلق عليها روايات تاريخ الإسلام، وجاءت رواياته (في صورة خلط متعمد بين الحقائق والأوهام).
وحيث إن السيرة الشعبية تندرج ضمن السرد التاريخي الذي يقدِّم رؤية شعبية للتاريخ حيث (تنبني السيرة الشعبية على وقائع وأحداث عرفتها الرقعة الجغرافية العربية الإسلامية، لكن الراوي الشعبي انتخب من كل التاريخ شخصيات رآها تمثِّل مشاعره وأحلامه وطموحاته في الصراع ضد الحبشة والفرس قبل الإسلام، من خلال انتخاب (أبطال) تاريخيين، مثل: سيف بن ذي يزن، وعنترة بن شداد، والزير سالم. كما أنه تتبع تاريخ الدولة الأموية والعباسية والصراع العربي ضد الروم والصليبيين من خلال أبطال متخيلين: الأميرة ذات الهمة، وشخصية واقعية هي الظاهر بيبرس؛ مزج الراوي الشعبي بين المادة التاريخية والخيال الشعبي بطريقة خاصة، فجاءت نصوص السيرة الشعبية ذات ملامح واقعية وذات مرجعية تاريخية، ولكنه أفسح المجال لخياله فكانت العجائب والغرائب والخيال المجنح؛ ولذلك فعندما نقرأ السيرة الشعبية العربية اليوم نجدها لا تختلف كثيرًا عما تزخر به الروايات التاريخية والفنتازيا من عوالم وأبعاد واقعية و متخيلة).
لذا فإن (العرب عندما أطلعوا على الرواية الغربية وعملوا على ترجمتها والشروع في محاولة الكتابة الروائية وجدوا في السيرة الشعبية ما يناظر ما تقدمه عوالم هذا النوع السردي من صور وأشكال تتصل بالواقعي والتاريخي والخيالي، فوجههم هذا إلى إعطاء أهمية خاصة للسيرة الشعبية العربية)، (كما أن بعض كتاب الرواية استلهموا بعض عوالمها أو حاولوا السير على منوالها، ويعد سعي جورجي زيدان إلى كتابة التاريخ الإسلامي من خلال سلسلة من الروايات المتعددة، وكأنه يستلهم السيرة الشعبية العربية بكيفية غير مباشرة).
