شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (54) اصطفاءُ الله -عز وجل- لإبراهيم -عليه السلام- وذريته (1)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ‌آدَمَ ‌وَنُوحًا ‌وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (آل عمران: 33-34).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اخْتَارَ هَذِهِ الْبُيُوتَ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاصْطَفَى آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَهْبَطَهُ مِنْهَا، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَاصْطَفَى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَمَّا عَبَدَ النَّاسُ الْأَوْثَانَ، وَأَشْرَكُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانَا، وَانْتَقَمَ لَهُ لَمَّا طَالَتْ مُدَّتُهُ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا، فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، وَاصْطَفَى آلَ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُمْ: سَيِّدُ الْبَشَرِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالْمُرَادُ بِعِمْرَانَ هَذَا: هُوَ وَالِدُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ أُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَاشَمَ بْنِ أَمُونَ بْنِ مَيْشَا بْنِ حِزْقِيَا بْنِ أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أَمْصِيَا بْنِ يَاوشَ بْنِ أجريهو بْنِ يَازِمَ بْنِ يَهْفَاشَاطَ بْنِ إِنْشَا بْنِ أَبِيَّانَ بْنِ رُخَيْعَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-، فَعِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ" (انتهى من تفسير ابن كثير) .

وقال ابن جرير -رحمه الله-: "يعني بذلك جلّ ثناؤه: إن الله اجتبى آدمَ ونوحًا واختارهما لدينهما -أي: مِن أجل دينهما-، وآل إبراهيم وآل عمران لدينهم الذي كانوا عليه؛ لأنهم كانوا أهل الإسلام، فأخبرَ اللهُ -عز وجل- أنه اختار دين مَنْ ذكرنا على سائر الأديان التي خالفته، وإنما عَنَى بـ"آل إبراهيم وآل عمران" المؤمنين" (تفسير الطبري) .

وقد دللنا على أن "آل الرجل" أتباعه وقومه، ومَن هو على دينه، عن ابن عباس -رضي الله عنه- في قوله: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ )، قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد، يقول الله -عز وجل-: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ‌وَهَذَا ‌النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (آل عمران: 68)، وهم المؤمنون.

عن قتادة في قوله -تعالى-: "( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) رجلان نبيَّان اصطفاهما الله على العالمين" -( قلتُ: لعله قصد نوحًا وإبراهيم؛ لأن الله ذكرهما مُقدَّمين على العالمين في مواضع عِدَّة)-، وعن قتادة في الآية قال: ذكر الله أهلَ بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضَّلهم على العالمين، فكان محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- من آل إبراهيم.

وعن الحسن في قوله: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ ) إلى قوله: ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )، قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياءَ المصطفين لربهم، وقوله: ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) قال ابن جرير: يعني بذلك: إن الله اصطفى آلَ إبراهيم وآل عمران ذريةً بعضها من بعض.

وإنما جعل "بعضهم من بعض" في الموالاة في الدين، والمؤازرة على الإسلام والحق، كما قال جل ثناؤه: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ )، وقال في موضع آخر: ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) (التوبة: 67) ، يعني: أن دينهم واحدٌ وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله: ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ )، إنما معناه: ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته.

وعن قتادة في قوله: ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ )، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.

وقوله: ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )، يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تُضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا (انتهى من ابن جرير) .

قال القرطبي -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ )، قال: التقدير: إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام، فحُذِف المضاف. وقال الزجاج: اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم. ( وَنُوحًا ) قيل: إنه مشتق مِن ناح ينوح، وهو اسم أعجمي؛ إلا أنه انصرف؛ لأنه على ثلاثة أحرف ( قلتُ: هذا هو الصحيح، وليس أنه مشتق من النوح؛ فلا دليل على ذلك).

قال: "وهو شيخ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم -عليه السلام- بتحريم البنات والأخوات، والعمات والخالات، وسائر القرابات، ومَن قال: إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وَهِم على ما يأتي بيانه في (الأعراف) إن شاء الله".

قوله -تعالى-: ( وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) في البخاري عن ابن عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران: المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد، يقول الله -تعالى-: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:68) .

الصفحة التالية