بعد ستين سنة من احتلال فلسطين
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
وقد نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قتل النساء في الحرب. وهو نهي معلل بعلة واضحة صريحة: أنهن غير مقاتلات. فقد مرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض غزواته على امرأة مقتولة، فقال: (ما كانت هذه لتقاتل) (رواه أبو داود وقال الألباني حسن صحيح) ، ثم نهى عن قتل النساء.
أما الآن، ونساؤهم مجنَّدات، يحاربن مع الرجال جنباً إلى جنب، وغير المجنّدات منهن مسترجلات يطلقن النار على المسلمين دون زاجر أو رادع، فإن قتلهن حلال، بل واجب، للدفاع عن الدين والنفس والبلد. إلا أن تكون امرأة ضعيفة لا تستطيع شيئاً.
وكذلك الحال مع الصبيان دون البلوغ، والشيوخ الهالكين الضعفاء: من قاتل منهم أو اعتدى قـُتِل، ومن لم يفعل فلا يعرضنَّ أحد له بسوء. إلا أن يؤخذوا هم والنساء أسرى، وسنذكر حكم الأسرى، إن شاء الله.
وقد قلنا: "يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم وأن يقتلهم حيثما وجدوا، مدنيين أو عسكريين"، ونحن نقصد إلى كل حرف من معنى هذه الجملة. فأينما كان المسلم، ومن أي جنس كان من الأجناس والأمم، وجب عليه ما يجب علينا في مصر والسودان. حتى المسلمين من الإنجليز في بلادهم -إن كانوا مسلمين حقاً- يجب عليهم ما يجب على المسلمين من غيرهم ما استطاعوا. فإن لم يستطيعوا وجبت عليهم الهجرة من بلاد الأعداء، أو من البلاد التي لا يستطيعون فيها حرب العدو بما أمرهم الله.
فإن الإسلام جنسية واحدة -بتعبير هذا العصر- وهو يلغي الفوارق الجنسية والقومية بين متبعيه، كما قال -تعالى-: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (المؤمنون:52)، والأدلة على ذلك متواترة متضافرة، وهو شيء معلوم من الدين بالضرورة، لا يشك فيه أحد من المسلمين، بل إن الإفرنج ليعرفون هذا معرفة اليقين، ولم يتشكك فيه إلا الذين رباهم الإفرنج منَّا واصطنعوهم لأنفسهم حربًا على دينهم وعلى أمتهم، من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا . إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا) (النساء:97-98).
فلم يستثن الله من وجوب الهجرة على كل مسلم في بلاد أعداء الله إلا الضعفاء ضعفاً حقيقياً، لا يعرفون ما يصنعون، ولا يملكون من أمر أنفسهم شيئاً (2) ، لم يقبل الله عذراً من أحد بمال ولا ولد، ولا مصالح ولا علاقات. (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( (التوبة:24).
فسرد الله جميع الأعذار والتعلاََّت التي ينتحلها المترددون المتخاذلون، ثم رفضها كلها، لم يقبل منها عذراً ولا تعلَّة.
فليسمع هذا وليضعه نصب عينيه كل مسلم في مصر والسودان، والهند والباكستان، وكل بلد يحكمه الإنجليز الأعداء، أو يدخل في نطاق نفوذهم، ومن سائر أقطار الأرض، ومن أي جنس أو لون كانوا.
أما التعاون مع الإنجليز، بأي نوع من أنواع التعاون، قل أو كثر، فهو الردة الجامحة، والكفر الصُّراح. لا يقبل فيها اعتذار، ولا ينفع معه تأول، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق. سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء. كلهم في الكفر والردة سواء. إلا من جهل وأخطأ (3) ثم استدرك أمره فتاب واتخذ سبيل المؤمنين، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم، إن أخلصوا من قلوبهم لله، لا للسياسة ولا للناس.
وأطنني قد استطعت الإبانة عن حكم قتال الإنجليز وعن حكم التعاون معهم بأي لون من ألوان التعاون أو المعاملة، حتى يستطيع أن يفقهه كل مسلم يقرأ العربية، ومن أي طبقات الناس كان، وفي أي بقعة من الأرض يكون.
وأظن أن كل قارئ لا يشك الآن، في أنه من البديهي الذي لا يحتاج إلى بيان أو دليل: أن شأن الفرنسيين في هذا المعنى شأن الإنجليز، بالنسبة لكل مسلم على وجه الأرض. فإن عداء الفرنسيين للمسلمين، وعصبيتهم الجامحة في العمل على محو الإسلام، وعلى حرب الإسلام، أضعاف عصبية الإنجليز وعدائهم.
بل هم حمقى في العصبية والعداء، وهم يقتلون إخواننا المسلمين في كل بلد إسلامي لهم فيه حكم أو نفوذ، ويرتكبون من الجرائم والفظائع ما تصغر معه جرائم الإنجليز ووحشيتهم وتتضاءل. فهم والإنجليز في الحكم سواء: دماؤهم وأموالهم حلال في كل مكان، ولا يجوز لمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يتعاون معهم بأي نوع من أنواع التعاون، وإن التعاون معهم حكمه حكم التعاون مع الإنجليز: الردة والخروج من الإسلام جملة، أيَّا كان لون المتعاون معهم أو نوعه أو جنسه. وما كنت يوماً بالأحمق ولا بالغِرِّ، فأظن أن الحكومات في البلاد الإسلامية ستستجيب لحكم الإسلام، فتقطع العلاقات السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية مع الإنجليز أو مع الفرنسيين.
ولكني أريد أن أبصر المسلمين بمواقع أقدامهم، وبما أمرهم الله به، وبما أعدّ لهم من ذُل في الدنيا وعذاب في الآخرة، إذا أعطوا مقاد أنفسهم وعقولهم لأعداء الله.
وأريد أن أعرفهم حكم الله في التعاون مع أعدائهم، الذين استذلوهم وحاربوهم في دينهم وفي بلادهم، وأريد أن أعرِّفهم عواقب هذه الردة التي يتمرغ في حمأتها كل من أصرَّ على التعاون مع الأعداء.
