الهجرة الشرعية والهجرة غير الشرعية
السيد عبد الهادي • قاموس التصحيح السلفي
"وقد ذكر أهل العلم أنه تجب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يظهر دينه، وأما إذا كان قادراً على إظهار دينه ولا يُعارَض إذا أقام شعائر الإسلام؛ فإن الهجرة لا تجب عليه ولكنها تستحب، وبناءً على ذلك يكون السفر إلى بلد الكفر أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان إذا لم يستطع إقامة دينه فيه وجب عليه مغادرته والهجرة منه، فكذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام ومن بلاد المسلمين، فإنه لا يجوز له أن يسافر إلى بلد الكفر لما في ذلك من الخطر على دينه وعلى أخلاقه، ولما في ذلك من إضاعة ماله، ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار، ونحن مأمورون بأن نغيظ الكفار بكل ما نستطيع كما قال -تبارك وتعالى- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) (التوبة: 123)، وقال -تعالى-: ( وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (التوبة: 120).
فالكافر أياً كان، سواء كان من النصارى أو من اليهود أو من الملحدين، وسواء تسمَّى بالإسلام أم لم يَتَسم بالإسلام، الكافر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعاً، مهما تلبَّس بما يتلبَّس به؛ فإنه عدو!! فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:
الشرط الأول:
أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ ولأن الكفار يوردون على المسلمين شُبَهاً في دينهم، وفي رسولهم وفي كتابهم، وفي أخلاقهم، في كل شيء يوردون الشبهة ليبقى الإنسان شاكاً متذبذباً، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين؛ فإنه لم يقم بالواجب، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، يجب أن يكون يقيناً، فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر.
فالكفار يُدخلِون على المسلمين الشك، حتى أن بعض زعمائهم صرح قائلاً: "لا تحاولوا أن تخرجوا المسلم عن دينه إلى دين النصارى، ولكن يكفي أن تشككوه في دينه؛ لأنكم إذا شككتموه في دينه سلبتموه الدين، وهذا كافٍ".
أنتم أخرجوه من هذه الحظيرة التي فيها العزة والغلبة والكرامة ويكفي، أما أن تحاولوا أن تدخلوه في دين النصارى المبني على الضلال والسفاهة فهذا لا يمكن؛ لأن النصارى ضالون كما جاء في الحديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان فدين المسيح دين حق، لكنه دين الحق في وقته قبل أن يُنسخ برسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
الشرط الثاني:
أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات؛ لأن الإنسان الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلى بلاد الكفر انغمس؛ لأنه يجد زهرة الدنيا هناك، من خمر وزنى ولواط وغير ذلك.
الشرط الثالث:
أن يكون محتاجاً إلى ذلك، مثل أن يكون مريضاً يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجاً إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصص فيه فيذهب إلى هناك أو يكون الإنسان محتاجاً تجارة، يذهب ويتجر ويرجع. المهم أن يكون هناك حاجة، ولهذا أرى أن الذين يُسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط، أرى أنهم آثمون، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم، وإضاعة لمالهم، وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكاناً يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه، حين لا يجدون إلا أعمالهم؛ لأن هؤلاء يضيعون أوقاتهم، ويتلفون أموالهم، ويفسدون أخلاقهم، وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم، ومن عجب أن هؤلاء يذهبون إلى بلاد الكفر التي لا يُسمع فيها صوت مؤذن، ولا ذكر ذاكر، وإنما يُسمع فيها أبواق اليهود، ونواقيس النصارى، ثم يبقون فيها مدة هم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم، فيحصل في هذا شر كثير، نسأل الله العافية والسلامة.
أقول مرة ثانية: إن الهجرة من بلد الكفر الذي لا يستطيع أن يقيم الإنسان فيه دينه واجبة. والسفر إلى بلاد الكفر للدعوة يجوز إذا كان له أثر وتأثير هناك فإنه جائز؛ لأنه سفر لمصلحة، وبلاد الكفر كثير من عوامهم قد عُمِّي عليهم الإسلام لا يدرون عنه شيئاً، بل قد ضُلِّلوا وقيل لهم: "إن الإسلام دين وحشية وهمجية ورعاع"، ولاسيما إذا سمع الغرب هذه الحوادث التي جرت على يد أناس يقولون أنهم مسلمون، سيقولون أين الإسلام؟! هذه وحشية!! فينفرون من الإسلام بسبب المسلمين وأفعالهم، نسأل الله أن يهدينا أجمعين.
