مسلمو أوكرانيا بين المطرقة والسندان
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تقع أغلب أوكرانيا داخل السهل الأوروبي الشرقي، تحديدًا على خط الطول 32 درجة شرقًا، وعلى دائرة 49 درجة شمالًا.
وتعد أوكرانيا من دول أوروبا الشرقية حيث تقع في الجزء الأوسط منها على مفترق طرق النقل الرئيسية من أوروبا إلى آسيا، وهي أكبر دولة أوروبية في المساحة بعد روسيا، لكنها تقع بكاملها داخل أوروبا؛ فتحد أوكرانيا من الشرق روسيا، وتحدها بيلاروسيا من الشمال، وسلوفاكيا والمجر وبولندا من الغرب، بينما تحدها رومانيا ومولدوفا من الجهة الجنوبية الغربية.
وتقع أوكرانيا على السواحل الشمالية للبحر الأسود وبحر آزوف، وتقع جمهورية القرم -وهي لم تزل دوليًّا جزءًا من أوكرانيا- في شبه جزيرة تعد كامتداد لجنوب أوكرانيا بين البحر الأسود غربًا، وبحر آزوف شرقًا، ويفصلها شرقًا عن روسيا مضيق كيرش.
ويعد المسلمون حاليًا في أوكرانيا أقلية؛ سواء الأصليون منهم أو الوافدون من العرب وغيرهم، ويعانون من مشاكل كثيرة تهدد تمسكهم بدينهم وهويتهم الخاصة في ظلِّ تنامي الصراع العالمي حول أوكرانيا بين روسيا وأمريكا، فبينما تذكر المصادر الرسمية أن عدد المسلمين في أوكرانيا يقترب من نصف مليون مسلم، من إجمالي السكان البالغ 47 مليون نسمة، فيرى البعض أن عددَ المسلمين أكثر من ذلك بكثيرٍ؛ خاصة مع ضم مسلمي جمهورية القرم المحتل من قِبَل روسيا، وإن كان يعد دوليًّا جزءًا من أوكرانيا، فيمكن أن يصل عدد المسلمين هناك إلى مليوني مسلم.
وفي أوكرانيا جاليات عربية تقدر بنحو 80 ألف نسمة يتواجدون في المدن الكبيرة، منهم طلاب ورجال الأعمال، وعائلات عربية، وأسر مختلطة بالزواج من نساء أوكرانيات، وتعد الجالية السورية أكبر هذه الجاليات العربية؛ خاصة بعد لجوء عددٍ من الأسر السورية لأوكرانيا؛ بالإضافة إلى فلسطينيين وعراقيين وأردنيين.
أما المسلمون من غير العرب فهم مسلمون قادمون من آسيا الوسطى؛ خاصة من الطاجيك والأوزبك، الذين أجبروا على الهجرة بالآلاف قسرًا واضطرارًا، أو هربًا من المجازر التي ارتكبها السوفييت إبان الحكم الشيوعي، ويعيش المسلمون الأصليون في أوكرانيا في المدن الشرقية من البلاد وأغلبها يسيطر عليه الانفصاليون الموالون لروسيا.
وشبه جزيرة القرم تمتد من البر الأوروبي في البحر الأسود شرقي أوروبا، ويربطها باليابس برزخ ضيق في شمالها تمر عبره خطوط المواصلات، وتحيط بها مياه البحر الأسود من الجنوب والغرب، وتبلغ مساحتها: 26150 كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانها: 2355030 نسمة وَفْقًا لتعداد عام 2019 م، ويأتي اسم شبه جزيرة القرم من الكلمة التتارية (كيريم)، والتي تعني الجدار.
وقد وصلها الإسلام عن طريق التتار المسلمين في عهد القبيلة الذهبية، والذين استقروا في المنطقة عام 740 هـ - 1339م، وكانوا قسمًا من دولة المغول.
من تاريخ الإسلام في أوكرانيا والقرم:
دخل الإسلام أوكرانيا تاريخيًّا من قرون طويلة ترجع على النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي؛ قيل: إن ذلك جاء نتيجة التعامل مع التجار المسلمين. وقيل: إن ذلك كان نتيجة جهود دعاة من فقهاء مسلمين سمح لهم ملك الخزر الذي اعتنق الديانة اليهودية بالبقاء في مملكته، فدخل على أيديهم جمع من الخزر في الإسلام.
وتذكر مصادر تاريخية أوكرانية: أن مدينة (لوهانسك) شرق البلاد شهدت بناء أول مسجد للمسلمين في ذلك الوقت، أي أكثر من ألف سنة.
وقد انتشر الإسلام في الجزء الأوروبي من روسيا في مدتين زمنيتين:
الأولى: في القرن الرابع الهجري حيث اعتنق البلغار الإسلام على يد الدعاة والتجار المسلمين (الذين كانوا يتاجرون في الفراء وسائر السلع التي كانوا يحصلون من البلاد الشمالية، وقد أرسل إليهم الخليفة المقتدر العباسي (295 - 320هـ) (908 - 932م) قائده أحمد بن عباس، ويعرف بابن فضلان، ليقوم على تثبيتهم على الدين، وتعليمهم مبادئ الدين وشعائره، ويعد ابن فضلان من أوائل الرحالة الجغرافيين المسلمين في تلك الديار) (راجع في ذلك: (حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة) د. جميل عبد الله محمد المصري ط. التاسعة 1435 هـ - 2014 م - مكتبة العبيكان للنشر والتوزيع - الرياض، ص 496) .
الثانية: على يد المسلمين التتار (من القبيلة الذهبية التي أسسها جوجي بن جنكيزخان، وأسلم أميرها بركة خان (654 - 665 هـ) (1256- 1267 م)، فأصبح حوض الفولغا بأكمله إسلاميًّا، وحاضرته مدينة (السرا) على ضفاف الفولغا)، (وظهر من هذه الأسرة محمد أوزبك (713 - 741 هـ) (1313- 1340 م) الذي اشتهر بحماسه لنشر الإسلام بين الأهالي، وامتدت دولته من شمال بحر آرال إلى مصب الفولغا، مع امتداد إلى الغرب حتى بلاد القرم، فوطَّد أركان الإسلام في تلك البلاد التي كانت تحت سلطانه) (المصدر السابق، ص 496) .
وقد زار الرحالة ابن بطوطة تلك البلاد، وذكر أن مدينة السرا (فيها ثلاثة عشر مسجدًا لإقامة الجمعة ... وأما المساجد سوى ذلك فكثيرة جدًّا)، وقد (كانت إمارتا موسكو وكييف النصرانيتين تدفعان الجزية للتتار المسلمين).
(وعلى ذلك فكان في روسيا ثلاث ديانات:
الإسلام: ويدين به التتار، وهم يحكمون البلاد ويدعون للإسلام.
النصرانية: ويدين به الصقالبة الروس، ولهم إمارتان موسكو وكييف، ويدفعون الجزية للمسلمين.
الوثنية: ويدين بها بعض قبائل الروس وبعض القبائل الأخرى) (المصدر السابق، ص 497) .
ولما (تجزأت دولة التتار الواسعة وتحللت القبيلة الذهبية عام 813 هـ -أي: قبل فتح القسطنطينية بأقل من ربع قرن- وظهر على أنقاضها في روسيا ثلاث دويلات هي: خانات القرم، والقازان، والاسترخان، وأخذت المناطق الخاضعة تتمرد عليها بالانفصال، فاستقلت إمارة موسكو، ورفضت دفع الجزية عام 885 هـ - 1480 م، وأسست دولة قوية بزعامة إيفان الثالث (867 - 911 هـ) (1462 - 1505 م)، بعد أن بقيت تدفع الجزية 240 عامًا للتتار المسلمين) (المصدر السابق، ص 497 - 498) .
