شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تحقيق التوبة الصادقة قبل رمضان (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تذكير بأهمية حسن الاستعداد قبل حلول رمضان: قال معلى بن الفضل: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم".

- حسن الاستعداد مقدمة للنتائج الحسنة والنجاح: (الطالب المتفوق - العَدَّاء الماهر - الجيش المنتصر -...)؛ فكيف بطلاب الآخرة؟! ( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) (الرحمن: 60) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ يُنَزِّلُ الْمَعُونَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ ) (أخرجه البزار في مسنده، وصححه الألباني) .

إشارة إلى تسلسل الخطوات على طريق الاستعداد لرمضان: (وقد سبق الحديث حول استشعار فضل إدراك رمضان، واليوم نتحدث عن تحقيق التوبة الصادقة قبل رمضان).

(1) أهمية التوبة الصادقة قبل رمضان:

التوبة مدخل العمل الصالح، ومنزل الصالحين، ومنتهى أمرهم قبل لقاء رب العالمين: قال ابن القيم في المدارج: "والتوبة أول المنازل، وأوسطها، وآخرها ... فالعبد لا يفارقها ولا ينفك عنها" ( ‌وَمَنْ ‌لَمْ ‌يَتُبْ ‌فَأُولَئِكَ ‌هُمُ ‌الظَّالِمُونَ ) (الحجرات: 11 ) .

- وأنت إذا كنتَ تنتظر زائرًا عزيزًا لبيتك، ووجدتَ بيتك غير نظيف، فماذا سيكون حالك؟! فكذلك قلوبنا وجوارحنا، بل وعموم حياتنا تحتاج إلى تغيير وتطهير؛ لا سيما قبل رمضان: قال الله -تعالى-: ( وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور: 31) .

ففي الأزمان الشريفة يتأكد التطهير والتغيير؛ لأنها توقظ الغفلة لما يصاحبها مِن أحوال شريفة تعين على التطهير والتغيير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ) (متفق عليه) .

كلنا أصحاب ذنوب وإن تفاوتت (1) ، والناصحون العقلاء هم الذين يخافون عاقبة ذنوبهم فيسارعون بالتوبة وملازمتها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا على مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:135) ، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ" (رواه الترمذي والبيهقي) .

ولقد رغب الغفور الغفار، العفو الرحيم عباده في التوبة، والمسارعة إليها والتزامها مهما عظمت وكثرت الذنوب، وفتح لهم أبوابها في كل الأوقات والساعات: قال -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر: 53) ، وقال: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (طه:82) ، وقال: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (الشورى:25) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .

بل لا يبعد في كرم الله -تعالى- إذا صحت توبة العبد وصدقت، أن يضع مكان كل سيئة حسنة: عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا )، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) (رواه مسلم) .

وفي حديث أَبِي طَوِيلٍ: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إِلَّا أَتَاهَا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: ( فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟ ) قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: ( نَعَمْ، تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ )، قَالَ: وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى. (رواه البزار، والطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني) .

فكيف بأعظم الأوقات، وأفضل المواسم؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ ‌رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ ‌يُغْفَرَ لَهُ ) (رواه الترمذي، وقال الألباني: "حسن صحيح") .

الصفحة التالية