الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (58) حقيقة دين إبراهيم وعلاقته باليهودية والنصرانية (3)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وكفر النصارى بعبادتهم للمسيح -صلى الله عليه وسلم- وقولهم بألوهية الأقانيم الثلاثة، وهذا يتضمن عبادة النبي عيسى، وعبادة الروح القدس، وهذا كله من الشرك البيِّن، وكذا اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، حين اتبعوهم على تحريم الحلال وتحليل الحرام، وهذا كفرٌ مستقل كما بيّنه الله في كتابه، فعن عدي بن حاتم قال: أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وفي عنقي صليبٌ من ذَهبٍ. فقالَ يا عديُّ اطرح عنْكَ هذا الوثَنَ، وسمعتُهُ يقرأُ في سورةِ براءةٌ "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ" قالَ: أما إنَّهم لم يَكونوا يعبدونَهم؛ ولَكنَّهم كانوا إذا أحلُّوا لَهم شيئًا استحلُّوهُ، وإذا حرَّموا عليْهم شيئًا حرَّموه" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ؛ إضافة إلى كُفرهم بمحمدٍ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقرآن العظيم كلام الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلّا كانَ مِن أصْحابِ النّارِ" (متفقٌ على صحته) .
وفي هذا كلِّه -وفي غيره من الآيات والأدلة المبثوثة في كتاب الله- أوضح الدليل على بطلان ما يُسمّى بـ"الدين الإبراهيمي الجديد"، الذي يُسوّي مخترعوه ومتبعوه بين المِلل الثلاث، وهو مِن أعظم المُحال والتناقض كما بينّا من قبل.
الثانية: دلّتْ الآيةُ على أن أهل الكتاب عندهم عِلْمٌ بأخبار أنبيائهم دون غيرها، وقد تضمَّنت كتبُهم -رغم ما وقع فيها من تحريف- حقيقةَ الدين الحق المقبول عند الله، الذي هو التوحيد، الذي هو دين إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أول وصية لموسى أوصاها بها ربه -عزَّ وجل- وهي أعظم وصية لعيسى -صلى الله عليه وسلم- بنص الإنجيل بعد نص التوراة، ففي التوراة في سفر الخروج <20: 2-5> في الوصية الأولى لموسى وبني إسرائيل: (أنا الرب إلهك لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما، لا تسجد لهن ولا تعبدهن؛ لأني أنا الرب إلهك إله غيور)، وفي سفر أشعياء (43 :5 - 44 : 6): (قَبلي لم يُصوّر إله، وبعدي لا يكون، إني أنا الرب، وليس غيري مخلص أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري).
وفي الإنجيل نصوصٌ كثيرةٌ على إثباتِ التوحيدِ، ففي إنجيل مرقص (28 – 30): (جاء واحد من الكتبة فسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أي وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك) هذه هي الوصية الأولى، وفي إنجيل يوحنا (17 : 3): (هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته).
وهذا من كلام المسيح -صلى الله عليه وسلم-، ومَن تأمَّلَ هذه النصوص عَلِمَ حقيقة الديانة النصرانية في مهدِها وفي بدايتِها، أنها قامتْ على التوحيد المحض، ومَن رأى مَن الذي يدعو إلى هذه الوصية التي هي أول الوصايا، التي هي دين إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لم يجد إلا أهل الإسلام الذين يرفعون شعارهم في العالم كله: "لا إله إلا الله".
فالحمد لله على نعمة الإسلام.
