الملة الإبراهيمية (1)
الشيخ محمد إسماعيل المقدم • المنهج السلفي
ولم تكن أهمية الدور الذي قام به إبراهيم -عليه السلام- في الدعوة إلى التوحيد قاصرة على ما بذله في حياته مِن جهدٍ استحق به لقب الخلة للرحمن، وتبوأ به منصب الإمامة في الدين، بل إن أهميته لتظهر أكثر وأكثر في امتداد دعوته في الأجيال من بعده، قال سبحانه: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (العنكبوت:27) ، فجميع الأنبياء بعد إبراهيم عليه السلام كلهم من ذريته؛ ولهذا لُقِّب بأبي الأنبياء، وقال عز وجل: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الزخرف: 26-28) .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى مخبِرًا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد مَن بُعِث بعده مِن الأنبياء؛ الذي تَنْتَسِب إليه قريش في نسبها ومذهبها: إنه تبرأ مِن أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ )، ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي: "لا إله إلا الله" أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها مَن هداه الله مِن ذرية إبراهيم عليه السلام. ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أي: إليها. وقال عكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم في قوله عز وجل: ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ )، يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته مَن يقولها، وروي نحوه عن ابن عباس. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام، وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة".
وجعل الله سبحانه خليله إبراهيم عليه السلام وأتباعه أسوة لعباده المؤمنين، فقال عز وجل -: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (الممتحنة: 4) .
ومِن يوم أن غرس إبراهيم شجرة التوحيد وهي مورقة يانعة الثمار بفضل مَن تعهدها بعده بالسقي والإنماء من الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، نعم كانت تذبل أحيانًا، ويجف ورقها، وتتصوح أزهارها؛ بسبب تفريط الأبناء وغفلتهم عن عهود الآباء، ولكنها على كل حالٍ بقيت تغالب عوامل الموت والفناء، ولقد جاء عليها بعد عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل وقتٌ مِن الزمان كادت تذهب فيه وينمحي أثرُها؛ لولا أن تداركتها عناية الله بالرسالة الجامعة الخاتمة التي جاء بها محمد بن عبد الله النبي القرشي الأمي الهاشمي، صلوات الله وسلامه عليه؛ فبعث فيها الحياة قوية فتية، وجدد مِن شبابها حتى استغلظت واستوت على سوقها، وصارت وارفة الظلال، ممتدة الأفياء، أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وللحديث بقية إن شاء الله.
