شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الملة الإبراهيمية (5) ذكر إبراهيم عليه السلام في الكتاب المقدس عند أهل الكتاب

الشيخ محمد إسماعيل المقدم • المنهج السلفي

ولهذا قال: "أفلا تعقلون؟"، ثم قال: "ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلِمَ تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون": هـذا إنكار على مَن يحـاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لم يعلموا، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها، ولهذا قال: "والله يعلم وأنتم لا تعلمون".

ثم قال تعالى: "ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مسلمًا" أي: متحنفًا مائلًا عن الشرك قاصدًا إلى الإيمان "وما كان من المشركين"، وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة: "وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين".

ثم قال تعالى: "إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين": يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن بعدهم.

رو? سع?د بن منصور عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليـل ربي عز وجل ثم قرأ: "إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه" الآية. ورواه الترمذي والبزار، ورواه وكيع في تفسيره عن ابن مسعود بنحوه، وقوله: "والله ولي المؤمنين"، أي: ولي جميع المؤمنين برسله، وقال الله عز وجل مخاطبًا أهل الكتاب: "قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ‌وَنَحْنُ ‌لَهُ ‌مُخْلِصُونَ . أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ".

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله -: "يقول الله تعالى مرشدا نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء مجادلة المشركين: "قل أتحاجوننا في الله؟" أي: أتناظروننا في توحيد الله، والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره، وترك زواجره، "وهو ربنا وربكم": المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له؟! "ولنا أعملنا ولكم أعمالكم" أي: نـحـن بـرآء منكم ومما تعبدون وأنتم برآء منـا، كما قال في الآية الأخرى: "وَإِنْ كَذَّبُوكَ ‌فَقُلْ ‌لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ"، وقال: " فَإِنْ ‌حَاجُّوكَ ‌فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ".

وقال تعالى في إخباره عن إبراهيم: "‌وَحَاجَّهُ ‌قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ"، وقال في هذه الآية الكريمة: "ونحن له مخلصون" أي: نحن برآء منكم كما أنتم برآء منا، "ونحن له مخلصون"، أي: في العبادة والتوجه.

ثـم أنـكـر تعالى عليهـم فـي دعـواهـم أن إبراهيم، ومـن ذكر من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهـم؛ إما اليهودية وإما النصرانية، فقال: "قل أنتم أعلم أم الله" يعني: بل الله أعلـم، وقد أخبر أنهـم لـم يكونوا هـودًا ولا نصارى، كما قال تعالى: "ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين" الآية والتي بعدها، قال الحسـن البـصـري: كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهـم: إن الدين الإسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانـوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهـم من ذلك.

وقوله: "وما الله بغافل عما تعملون": تهديد ووعيد شديد، أي: علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه، ثم قال: "تلك أمة قد خلت"، أي: قد مضت، "لها ما كسبت ولكم ما كسبتم": أي: لهـم أعمالهـم ولكم أعمالكم، وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهـم حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله الذين بُعِثوا مبشرين ومنذرين، فإنه مَن كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما مَن كفر بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين ورسـول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين".

وللحديث بقية إن شاء الله.

الصفحة السابقة