شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

سلامة الأبدان في كمال الصيام (1)

الشيخ علاء بكر • التزكية

فإذا صام الإنسان صيامًا منتظمًا لعدة أسابيع متتالية؛ فهو بذلك يسدي لجسمه خدمة جليلة، لها مردودها النافع على البدن كله، من جهة تقليل مرات وكميات الطعام التي يتناولها يوميًّا، ومن جهة إعطاء أجهزة وأعضاء الجسم المختلفة الراحة لساعاتٍ طويلةٍ يوميًّا؛ لاستعادة حيويتها ونشاطها الطبيعي من جديد، وهذا ظاهر وواضح.

وقد أجريت دراسات وأبحاث عديدة في الغرب على صيام المرء صيامًا كليًّا بالامتناع عن الطعام والشراب بالكلية، أو صيامًا جزئيًّا بالامتناع عن الطعام كلية، والاقتصار على شرب الماء فقط، لمدة 12 ساعة متصلة يوميًّا، ولمدة 4 أسابيع متتالية، فتوصل العلماء على فوائد ومنافع لهذا الصوم لا يسع المرء تجاهلها، وتؤكد على أهمية أن يصوم الإنسان بانتظام على فتراتٍ من العام؛ حفاظًا على صحته العامة وسلامته، وتجديدًا لحيوية أجهزة الجسم، واستعادة كمال نشاطها وقدراتها من حين لآخر.

فالإنسان إذا صام لساعات طويلة أثناء اليوم يبدأ الجسم في استهلاك وحرق المواد الغذائية المخزنة فيه، مثل: الجليكوجين والدهون؛ للحصول على الطاقة اللازمة للحركة والعمل، ثم يتجه إلى بعد ذلك إلى حرق واستهلاك أنسجته الداخلية، وعادة يبدأ الجسم باستهلاك الخلايا التالفة أو المريضة أو الهرمة، فإذا عاد لحالته الطبيعية من تناول الطعام عوَّض الجسم هذه الخلايا التالفة أو الضعيفة التي أحرقت واستهلكت بخلايا جديدة قوية نشيطة، فالصيام هنا أشبه بجراح يستأصل من الجسم خلال فترات الصيام الطويلة الخلايا الميتة والضعيفة، ويستبدلها عند العودة لتناول الطعام بخلايا صحيحة قوية، وفي هذا فائدة أيما فائدة للجسم.

وأثناء فترة الصيام لساعات طويلة يستريح الجسم خلالها من عمليات الهضم والتمثيل الغذائي، ويتوقف فيها بالتالي إنتاج ذرات الأكسجين الحرة ذات التأثير المدمر على خلايا الجسم؛ مما يساعد على الوقاية من الأمراض، ويؤخر من الدخول في مظاهر الشيخوخة، ويفقد الجسم بعضًا من وزنه الزائد، مع استعادة نشاط الجسم وحيويته من جديد.

ففي بعض التجارب وُجِد أن: تقليل الطعام لبعض الفئران بنسبة الثلث يزيد في أعمارها بنسبة تصل إلى 40 %، وتتأخر لديها علامات ومظاهر الشيخوخة وتتحسن حالتها الصحية البيولوجية بصورة أفضل، فتستطيع أن تعمل بعد ذلك بمعدلات عمل أعلى، ولفترة عمل أطول مقارنة في ذلك كله بالفئران الأخرى التي ظلت طوال فترة التجارب تأكل طعامها المعتاد كاملًا.

وأثبتت تجارب أخرى: أن الجهاز الهضمي يستريح طوال ساعات الصيام الطويلة من طحن الطعام وتحريكه ونقله ومن الإفراز والهضم والامتصاص، وهذه الراحة تعد بالفعل ضرورية للجهاز الهضمي -ولفترة طويلة نسبيًّا- تتاح للجهاز الهضمي فيها صيانة وترميم نفسه، وتتاح أيضًا: الفرصة لأجزائه المريضة أن تتداوي وتقاوم مرضها؛ هذا إلى جانب استفادة الجسم من الطاقة المتوفرة التي كان يبذلها الجهاز الهضمي طوال ساعات الأكل، إلى جانب تفرغ الكبد لتطهير الجسم من السموم في الدم حيث تزيد نسبة تطهير الكبد لسموم الجسم خلال ساعات الصيام بنحو (25 – 30) %، حيث إنه مع الصيام يتوفر جزء كبير من الدم الذي كان يذهب إلى الجهاز الهضمي عقب تناول الطعام.

كما وجد أيضًا: أن كثيرًا من حالات الأرق والقلق واضطرابات النوم التي تصاحب البعض؛ بسبب الإفراط في الطعام أو تناول أطعمة غير مناسبة، والتي قد تصل إلى حدِّ الحرمان من النوم الهادئ ليلًا بسبب حموضة في المعدة أو انتفاخ ومغص في الأمعاء ناتج عن عسر الهضم.

وبالطبع يساعد تلاشي ذلك كله بالصيام على أن ينام الإنسان في هدوء، كما تقل معاناة القلب؛ خاصة عند مرضى القلب حيث يقل العبء على القلب بقلة تعاطي السوائل والشاي والقهوة والماء، والتي تزيد من حجم الدم وتؤدي إلى زيادة العبء على القلب واضطراب ضرباته.

ولهذه المنافع والفوائد تبلورت فكرة استخدام الصوم كعلاج طبي خاصة للأشخاص الذين يعانون من السمنة والبدانة، وأمراض الجهاز الهضمي المختلفة، وأمراض الجهاز العصبي والسمنة، وأدَّى تراجع هذه الأمراض، بل والشفاء منها بالصيام إلى انتشار المصحات في الغرب التي تعد الصيام المنتظم وسيلة من وسائل علاج الحالات المذكورة، وغيرها.

ومع كل ما ذكرناه فيما سبق -وذكره كثيرون حول فوائد ومنافع الصيام للأبدان؛ السليمة منها والسقيمة، كل بحسبه- فإننا ننبه على: أن كمالَ هذه الاستفادة مرهون بكمال هذا الصيام، وكمال ما جاء في الإسلام من أحكام وآداب تناول الطعام عامة، وأحكام وآداب الصيام خاصة؛ لذا فعلى كل صائم أن يعلم أن صلاحه الدنيوي والديني هو في التزامه في صيامه بما جاء في الكتاب والسنة في هذا الشأن، مع الاقتداء في ذلك بما ورد من هديه صلى الله عليه وسلم في كل ما يتعلق بهذا الموضوع جملة وتفصيلًا؛ فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم: (زاد المعاد) في (فصل: في هديه صلى الله عليه و سلم في الصيام) وكأنه معنا الآن وبيننا: (وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحمايتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات).

ويضيف: (والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة شرعه الله لعباده؛ رحمة لهم، وإحسانًا إليهم، وحمية وجُنَّة. وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أكمل الهدي، وأعظم تحصيل للمقصود وأسهله على النفوس).

وعن هديه صلى الله عليه وسلم في الانتظام في الصيام طوال العام إضافة إلى صيام شهر رمضان يقول ابن القيم رحمه الله: (كان صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم، وما استكمل صيام شهر غير رمضان، وما كان يصوم في شهر أكثر مما يصوم في شعبان، ولم يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه).

وللحديث بقية إن شاء الله.

الصفحة السابقة