شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (65) الدِّين الإبراهيمي الحق يستلزم حجَّ بيت الله الحرام وقصده (4)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الفائدة الثانية: البراءة من الشرك أساس ملة إبراهيم وركنها الركين؛ ولذا تكررت هذه الجملة مع ذكر إبراهيم عِدَّة مرات، وما كان من المشركين، قال سبحانه وتعالى: ( ‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (النحل: 120-123) ، وقال سبحانه وتعالى: ( ‌فَلَمَّا ‌أَفَلَتْ ‌قَالَ ‌يَا قَوْمِ ‌إِنِّي ‌بَرِيءٌ ‌مِمَّا ‌تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام: 78-79 ) .

وقال تعالى: ( ‌قَدْ ‌كَانَتْ ‌لَكُمْ ‌أُسْوَةٌ ‌حَسَنَةٌ ‌فِي ‌إِبْرَاهِيمَ ‌وَالَّذِينَ ‌مَعَهُ ‌إِذْ ‌قَالُوا ‌لِقَوْمِهِمْ ‌إِنَّا ‌بُرَآءُ ‌مِنْكُمْ ‌وَمِمَّا ‌تَعْبُدُونَ ‌مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (الممتحنة: 4) .

فلا يصح لأحدٍ إيمان إلا بالبراءة من الشرك والمشركين، وهذه البراءة تعني: اعتقاد بطلان عبادة غير الله؛ سواء كان المعبودُ مَلَكًا مُقَرَّبًا، أو نبيًّا مرسلًا، أو وليًّا صالحًا، أو أحبارًا أو رهبانًا، أو إنسًا أو جنًّا، أو حجرًا أو شجرًا، أو قبرًا أو ضريحًا، فصرف العبادة لغير الله شرك بأي نوع مِن أنواع العبادة، ثم يصرِّح الإنسان بلسانه بالبراءة مِن الشرك وبطلان عبادة غير الله، والدعوة إلى ترك عبادة ما يُعبد مِن دون الله، والسعي باليد واللسان والنفس والمال حسب القدرة المشروعة إلى إبطال عبادة كلِّ مَن يعبد مِن دون الله.

وأما مَن صَحَّح عبادة غير الله أو مَدَحَها؛ فقد خَرَج مِن الملة كمَن يَضيق بمَن ينكِر عبادةَ البقر أو بوذا، ويصف عبادة البقر بأنه حضارة ورقي؛ فلا يشك في كفره وزندقته مسلمٌ.

الفائدة الثالثة: شَرَفُ الكعبة بيت الله الحرام؛ لأنها أول بيتٍ وُضِع للناس في الأرض لعبادة الله، وقد كانت عبادة الله في الأرض قبله بلا شك، بل إن توحيدَ الله وعبادته بدأت مع وجود البشرية، وخلق آدم وحواء عليهما السلام في الجنة، وبعد أن نزلا إلى الأرض، لكن لم يكن يُخصص للعبادة والصلاة بيتٌ، وكان الأنبياء والمؤمنون قبل إبراهيم عليه السلام يعبدون الله في بيوتهم، وفي أي مكان في الأرض، فإن ثَبَت ما روي مِن طُرُق ضعيفة -لا تصح إسنادًا-: أن الملائكةَ هي التي بَنَت الكعبة، أو أن آدم عليه السلام هو الذي بناها؛ فهو أدلُّ على شَرَف الكعبة البيت الحرام، ولكن هذا لم يثبُت، والذي ثَبَت هو تحريم البقعة، فتحريم هذه البقعة وتشريع تعظيمها سابق على بناء الكعبة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ‌إِنَّ ‌اللهَ ‌حَرَّمَ ‌مَكَّةَ ‌يَوْمَ ‌خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) (متفق عليه) .

وقال عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: ( ‌رَبَّنَا ‌إِنِّي ‌أَسْكَنْتُ ‌مِنْ ‌ذُرِّيَّتِي ‌بِوَادٍ ‌غَيْرِ ‌ذِي ‌زَرْعٍ ‌عِنْدَ ‌بَيْتِكَ ‌الْمُحَرَّمِ ‌رَبَّنَا ‌لِيُقِيمُوا ‌الصَّلَاةَ ‌فَاجْعَلْ ‌أَفْئِدَةً ‌مِنَ ‌النَّاسِ ‌تَهْوِي ‌إِلَيْهِمْ ‌وَارْزُقْهُمْ ‌مِنَ ‌الثَّمَرَاتِ ‌لَعَلَّهُمْ ‌يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم: 37) .

فقبل أن تكون مكة بلدًا، وقبل أن تُبنَى الكعبة؛ فهذه البقعة تُسمَّى بيت الله المحرَّم، فشرفها سابق، وتحريمها يوم خلق الله السماوات والأرض، وهذا كله شَرَف عظيم لهذه البقعة؛ نحمد الله عز وجل أن جعلها قبلتنا، وجعل حَجَّنا إليها.

وللحديث بقية إن شاء الله.

الصفحة السابقة