وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (2) الغلام بين الساحر والراهب
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- الطغاة يمكرون، فيكون مكرهم في نحورهم ... فالفرعون كان يقتل الأطفال من بني إسرائيل اتقاء وجود موسى، فينشأ موسى في بيته، وجمع السحرة لإبطال دعوة موسى، فآمنوا وكانوا دعاة إلى دين موسى: ( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) (الشعراء: 19) ، وقال -تعالى- عن تحول السحرة: ( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وهارون ) (الأعراف: 120-122) ، وقال -تعالى- عن ثباتهم: ( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) (طه: 71-72) .
- كانت عبادة المَلِك الغاشم هي العقيدة السائدة يومئذٍ في الجماهير، وعبادة الملك الواحد الأحد هي العقيدة المضطهدة يومئذٍ، المستتر أصحابها، ولكنها العقيدة السهلة السمحة الموافقة للفطرة السوية؛ ولذا تأثَّر بها الغلام وتأثر بها الناس: قال -تعالى-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (الروم:30) .
الثانية: جواز التعريض عند الضرورة:
- كان الغلام يفر من بطش الساحر وعقابه، بالتعريض في كلامه، وكذلك من أهله؛ لأنه سيُمنع من سبيل الهداية إلى الله إن أطاع أهله والساحر: "إنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب (3) " (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصحح الألباني وقفه) .
- الأصل حرمة الكذب مطلقًا: قال -تعالى-: ( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) (النحل: 105) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا ) (متفق عليه) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه) .
- ولكن يجوز عند الاضطرار والضرورة: فعن أم كلثوم بنت عقبة: أنَّهَا سَمِعَتْ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: ( ليسَ الكَذَّابُ الذي يُصْلِحُ بيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أوْ يقولُ خَيْرًا )، قالت أم كلثوم: "وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا" (متفق عليه) (4) .
خاتمة:
- تذكير بمجمل ما جاء في المشهدين، والإشارة إلى المشهد التالي من خلال معنى: "الله يريد هداية الغلام الذي سيكون على يديه هداية أهل المملكة كلها تقريبًا -بإذن الله-.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وكان الأقوام يتهمون الأنبياء بأنهم سحرة، بما يدل على أن السحر أمره خطير في تزييف الحق، ( قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى . فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ) (طه: 57-58) .
(2) قال ابن قدامه في الكافي: "السحر عزائم ورقى، وعقد، يؤثِّر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرِّق بين المرء وزوجته، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال -تعالى-: ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) (البقرة: 102) " (انتهى)، وانظر: (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - باب ما جاء في السحر).
(3) ومن أمثلة التعريض: كأن يقول للظالم: دعوتُ لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين.
(4) ففي الحرب: لأنَّ الحرب خُدعَة، ومقتضياتها تستدعي التمويه على الأعداء، وإيهامهم بأشياء قد لا تكون موجودة، واستعمال أساليب الحرب النفسية ما أمكن، وفي الصلح بين المتخاصمين: حيث إنَّ ذلك يستدعي أحيانًا أن يحاول المصلِح تبرير أعمال كل طرف وأقواله بما يحقق التقارب ويزيل أسباب الشقاق، وأحيانًا ينسب إلى كل من الأقوال الحسنة في حق صاحبه ما لم يقله، وينفي عنه بعض ما قاله؛ وهو ما يعوق الصلح ويزيد شقة الخلاف والخصام.
وفي الحياة الزوجية: حيث يحتاج الأمر أحيانًا إلى أن تكذب الزوجة على زوجها، أو يكذب الزوج على زوجته، ويخفي كل منهما عن الآخر ما من شأنه أن يوغر الصدور، أو يولد النفور، أو يثير الفتن والنزاع والشقاق بين الزوجين، كما يجوز أن يزف كل منهما للآخر من معسول القول ما يزيد الحب، ويسر النفس، ويجمل الحياة بينهما، وإن كان ما يقال كذبًا؛ لأن هذا الرباط الخطير يستحق أن يهتم به غاية الاهتمام، وأن يبذل الجهد الكافي ليظل قويًّا جميلًا مثمرًا.
