الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (68) عداوة اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين وحسدهم لهم رغم أنهم من ذرية إبراهيم عليه السلام (2)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
قال الله -تعالى-: ( فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل -الذين هم من ذرية إبراهيم- النبوةَ، وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن وهي: الحكمة، وجعلنا فيهم الملوك، ومع هذا ( فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ ) أي: بهذا الإيتاء، وهذا الإنعام، ( وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ) أي: كفر به وأعرض عنه، وسَعَى في صدِّ الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي: من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم؛ فكيف بك يا محمد، ولستَ من بني إسرائيل؟!
وقال مجاهد: ( فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ ) أي: بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، ( وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ) فالكفرة منهم أشد تكذيبًا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين.
ولهذا قال متوعِّدًا لهم: ( وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم، ومخالفتهم كتب الله ورسله" (انتهى من تفسير ابن كثير) .
قال ابن جرير رحمه الله: "الجبت والطاغوت: اسمان لكلِّ معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له؛ كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، مِن حجر أو إنسان أو شيطان، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظَّمة بالعبادة من دون الله؛ فقد كانت جُبوتًا وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولًا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله.
وكذلك حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود، في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.
وفي قوله -تعالى-: ( وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ): يعني بذلك جل ثناؤه: ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ( هَؤُلاءِ ) يعني بذلك: هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر، ( أَهْدَى ) يعني: أقوم وأعدل ( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا )، يعني: من الذين صَدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، ( سَبِيلًا ) يعني: طريقًا.
وإنما ذلك مَثَلٌ، ومعنى الكلام: أن اللهَ وَصَف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله، وذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك.
وأولى الأقوال بالصحة في ذلك: قولُ مَن قال: إن ذلك خبرٌ مِن الله -جل ثناؤه- عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود، وجائز أن يكون: كانت الجماعةَ الذين سمَّاهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد (يعني ابن جبير)، أو يكون حُيَيًّا، وآخَرَ معه؛ إما كعبًا، وإما غيرَه" (انتهى من تفسير الطبري بتصرفٍ واختصارٍ) .
