أقسام التوحيد وتحريف المبطلين (1)
أشرف الشريف • المنهج السلفي
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ شَيْئًا، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الشَّفِيعُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهَ الَّذِي يَأْذَنُ فِي تِلْكَ الشَّفَاعَةِ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِعِبَادَتِهِ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِغَالِ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: "قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا"، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا مُلْكَ لِأَحَدٍ غَيْرُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: "لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (انتهى) .
وقال الله سبحانه وتعالى: "وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ".
قال الصنعاني في تطهير الاعتقاد: "ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى"، وقال في المقدمة: "الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يُفردوه بتوحيد العبادة كلَّ الإفراد؛ فلا يتَّخذون له ندًّا، ولا يَدْعون معه أحدًا، ولا يتَّكلون إلا عليه، ولا يَفزعون في كلِّ حال إلا إليه، ولا يَدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصَّلون إليه بالشفعاء".
ثم إن في هذه الآيات مَلْمَح آخر مهم، وهو: أن العِبْرةَ ليست فيما يحمله اللفظ من معانٍ صحيحة؛ فهذا وحده ليس كافيًا في جواز إطلاق الألفاظ، بل العبرة والحكم في الجواز وعدمه مبني -في الحقيقة- على ما يوهمه اللفظ من معانٍ شركية أو مذمومة، وإن لم تكن مقصودة للمتكلم، وهذا ظاهر في نهي نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجاريةَ التي قالت: "وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ!"، فقال: "لاَ تَقُولِي هَكَذَا"، وفي رواية ابن ماجه والطبراني: "فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَلَا تَقُولُوهُ، مَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ"، فنهاها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن اللفظ مع كونه يحمل تأويلًا صحيحًا؛ فقد أخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمور مستقبلية كعلامات الساعة ونحوها، وعلمه بذلك لا شك أنه مما علَّمه الله، فكلام الجارية يحتمل معنى صحيحًا، لكنه في نفس الوقت يحمل في ظاهره معنى باطلًا؛ مقتضاه جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شريكًا لله في علمه بالغيب، فنهاها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذا المعنى الباطل الموهوم، وإن لم يكن مقصودًا.
ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا قال: "مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ"، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ عَدْلًا -أو قال: ندًّا-؟! بَلْ شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ".
ولا ريب أن الرجل لم يكن يقصد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ندًّا لله عز وجل، لكن لمّا كان اللفظ في ظاهره موهمًا لهذا المعنى الباطل؛ بطل هذا اللفظ، وسارع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ردِّه ومنعه؛ لأن العقيدة الصافية الخالصة لا تصلح فيها مثل تلك الألفاظ الموهمات، فلا داعي لتأويلات أبطل الشرع جميع طرائقها، وهدم عليها سراديبها، وجعل إطلاقها من الشركيات التي تعكِّر صفاء التوحيد ونقائه، وتذهب بحقيقته ومنافعه.
وللحديث بقية إن شاء الله.
