الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (69) عداوة اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين وحسدهم لهم رغم أنهم من ذرية إبراهيم عليه السلام (3)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا . أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا . أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا . فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) (النساء: 51-55) .
في الآيات فوائد:
الفائدة الأولى: ذَمَّ اللهُ اليهودَ بإيمانهم بالجِبْتِ، ومنه: الكهانة، والسحر، وعبادة الأوثان، وكلها مِن أمر الشيطان ورنته وصوته. والطاغوت، وهو: كل ما يُعبَد من دون الله، وهو راضٍ، وهذا الإيمان بالباطل إنما هو بموافقة أهله، وتصويب ملتهم وإن لم يعتقدوا بقلوبهم صحة عبادتها، ولكنهم يقولون ذلك مجاملة للمشركين؛ كراهية للحق الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحسدًا للمؤمنين، مع أن المؤمنين أقرب إليهم نَسَبًا، وأقرب إليهم عقيدة، وكتابهم أقرب إلى كتابهم، ومع ذلك فالحسد قد أَكَل قلوبَهم!
وهذا الذم للكفار مِن أهل الكتاب هو للمسلمين أيضًا؛ لو فعلوا فعلهم، واتَّبعوا أهل الكتاب على صنيعِهم؛ فادعاء الإيمان بالكتاب مع مخالفة ما يأمر به لا ينفع صاحبه؛ فالذين يدَّعون الإيمان بالقرآن والرسول عليه الصلاة والسلام من المسلمين، ثم يتعاملون بالسحر الذي يتضمَّن كفرًا، ويأتون الكهان والعرافين والمنجمين مدعي علم الغيب، ومنهم: قارئي الأبراج الذين يدَّعون معرفة ما في الغدِ مِن خلال تاريخ الميلاد، والبرج الذي وُلِد فيه الإنسان، وادِّعاء صفات ملازمة لكلِّ برج ومواليده، وبالتالي يتوقَّعون أنماطًا للشخصية بناءً على ذلك!
وللأسف: هذا من أكثر مواقع المطالعة على شبكة الإنترنت، وكل هذا ينافي الإيمان بالقرآن وبالرسول عليه الصلاة والسلام.
ومِن الإيمان بالطاغوت في زماننا: مَن يصححون عبادة غير الله، ويرون مَن يعبد البقرَ مثلًا على حضارة ورُقِيٍّ! وكذا مَن يَعْبُد "بوذا" عندهم، بل ويعلنون ذلك! ويعلنون كراهيتهم أن يزدري المسلمون هذه العقائد الفاسدة الكفرية، والتي كفرها معلومٌ مِن الدِّين بالضرورة؛ أما اليهود والنصارى عندهم؛ فهم مؤمنون! يدخلون الجنة التي زعموا كفرًا وزورًا أنها ليست حِكْرًا على المسلمين، وغير ذلك من الضلالات: كوصف قتلاهم بالشهداء، والترحُّم عليهم، والصلاة عليهم، والاستغفار لهم، وإهداء ثواب الأعمال لهم: كقراءة الفاتحة لهم.
وكذلك تهنئة الأحياء منهم بأعيادهم الشركية؛ بزعم أن هذا مِن البرِّ والقِسْط، وهذا من الكذب على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلو كان منه -من البرِّ- لبادر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته امتثالًا لأمر الله؛ لأنهم أحرص الناس على البرِّ والقسط الذي أمر اللهُ به؛ كيف وقد ثَبَت عنهم النهي عن ذلك والتحذير منه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقال الله عز وجل: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (الجاثية: 18) ، وقد دخل في أهوائهم: كل ما يهوونه، ومِن ذلك: ما يهوونه مِن تعظيم المسلمين لعيدهم وتهنئتهم لهم، روى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر -رضي الله عنه- قال: "لَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فِي كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَإِنَّ السَّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ"، وروى البيهقي أيضًا بإسنادٍ جيدٍ عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: "مَنْ مَرَّ بِبِلَادِ الْأَعَاجِمِ فَصَنَعَ نَيْرُوزَهُمْ وَمَهْرَجَانَهُمْ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ كَذَلِكَ، حُشِرَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قال ابن القيم -رحمه الله-: "ولا يجوز للمسلمين حضور أعياد المشركين باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صَرَّح به الفقهاء مِن أتباع المذاهب الأربعة في كتبهم" (أحكام أهل الذمة) .
وروى ابن جرير وغيره عن: أبي العالية، وطاوس، وابن سيرين، والضحاك، وغيرهم، في قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) (الفرقان: 72) ؛ قالوا: "هي أعياد المشركين".
قال أبو حفص الكبير الحنفي -رحمه الله-: "لو أن رجلًا عَبَد الله تعالى خمسين سنة، ثم جاء يوم النيروز وأهدى إلى بعض المشركين بَيْضَة يريد تعظيم ذلك اليوم؛ فقد كَفَر وحَبِط عملُه".
وقال صاحب الجامع الأصغر -أيضًا من الحنفية-: "إذا أهدى يوم النيروز إلى مسلمٍ آخر، ولم يُرِد به تعظيم اليوم، ولكن على ما اعتاده بعض الناس؛ لا يكفر، ولكن ينبغي أن لا يفعل ذلك في هذا اليوم خاصة، ولكن يفعله قبله أو بعده؛ لكيلا يكون تشبيهًا بهؤلاء القوم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ).
وقال في الجامع الأصغر: "رجل اشترى يوم النيروز شيئًا يشتريه الكفرة منه، وهو لم يكن يشتريه قبل ذلك؛ إن أراد به تعظيم ذلك اليوم كما تعظِّمه المشركون كفر، وإن أراد الأكل والشرب والتنعم لا يكفر" (انتهى من البحر الرائق شرح كنز الدقائق للعلامة ابن نُجيم الحنفي 8/ 555) .
