شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (6) الغلام أحيا الله به الأمة

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- لقد رُخِّص في الإسلام للإنسان إذا تعرَّض للقتل أو التعذيب أن ينطق الكفر إذا كان مطمئن القلب بالإيمان: قال -تعالى-: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النحل: 106) ، وقال الحافظ في الفتح: "والمشهور إن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمارًا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكى ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد"، (وهذا حديث مرسل، رواه الحاكم في المستدرك: 2 / 389، والبيهقي في السنن الكبرى: 8 / 208، وإسناده ضعيف، وروي من طرق كثيرة متعددة، تدل على أن للقصة أصلًا) .

- الظاهر أن فعلَ الراهب والجليس والمؤمنين عند الأخدود، كان من باب العزيمة الواجبة، حيث لم تكن الرخصة في ذلك في الأمم السابقة على قول بعض أهل العلم، أو أنهم تركوا الرخصة وأخذوا بالعزيمة، وقويت قلوبهم عند الأخدود: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أفضلُ الجهادِ: كلمةُ عدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ ) (رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

المشهد الأخير:

- الإشارة إلي خاتمة القصة من خلال التناول القرآني لعاقبة الفريقين: قال -تعالى-: ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) (البروج: 8-11) .

وقفات مع المشهد الأخير:

الأولى: عاقبة الكافرين:

- توعدهم الله بعذابين: قال -تعالى-: ( فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ) بسبب كفرهم، ( وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) بسبب فتنتهم المؤمنين والمؤمنات. (انظر: روح المعاني للألوسي) ، وروي عن ابن عباس: "أن النار ارتفعت من الأخدود، فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعًا فأحرقتهم!" (تفسير القرطبي) .

- قتلوا المؤمنين بحريق الدنيا، ولكن... أين حريق مِن حريق؟ في شدته أو في مدته، فحريق الدنيا يوقدها الخلق، وحريق الآخرة بنارٍ يوقدها الخالق، وحريق الدنيا لحظات وينتهي، وحريق الآخرة آباد لا يعلمها إلا الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( نَارُكُمْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ ) قيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، قالَ: ( فُضِّلَتْ عليهنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أُوقِدَ على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة" (رواه الترمذي وابن ماجه، وضعفه الألباني) ، وقال تعالى: ( ‌كَلَّا ‌إِنَّهَا ‌لَظَى . نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ) (المعارج: 15-16) .

الثانية: عاقبة المؤمنين:

- لما ذكر -سبحانه- مصير المجرمين أعقبه بذكر مصير المؤمنين: قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) (لقمان: 8) .

- وكيف لا يكون ذلك هو الفوز الكبير وهم الذين جعلهم الله في النعيم الذى ما رأته عين، ولا خطر على قلب بشر؟! قال -تعالى-: ( مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ) (الرعد: 35) ، وقال -تعالى-: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ . لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً . فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ . فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ . وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ . وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ . وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ) (الغاشية: 8-16) .

وقال -تعالى-: ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى? سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ . لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا . وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ . وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ . وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ . وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ . إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) (الواقعة: 10-38) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية