شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المشكلة الاقتصادية... الأسباب والحل

محمود عبد الحميد • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

إن الناس في بلادنا يعانون من ضائقة شديدة وفقر وضنك، وضيق في ذات اليد، بحيث أنهم يحصلون على احتياجاتهم من القوت الأساسي بصعوبة شديدة، فضلاً عن السُكنى والملبس والزواج والمواصلات وغيرها...

ولو أنك سألت الناس عن سبب هذه المشكلة لأرجعوا أسبابها إلى قلة الموارد، أو البطالة، أو الفساد، أو تدنِّي الأجور، أو ارتفاع الأسعار العالمية، والحقيقة أن هذه الأمور كلها إنما هي أعراض لمرض واحد هو السبب لما يعانيه الناس ألا وهو: مرض المعصية وتفشيها في المجتمع، فإن ذلك يؤدي إلى هذا التدهور الاقتصادي، وإلى انتشار الفقر والضنك، لأن المعصية تؤدي إلى:

1- انتشار الأمراض التي تحتاج إلى تكلفة كبيرة لتغطية نفقات العلاج؛ لأنها أمراض مستعصية، مما يؤثر على الدخل فيجعله لا يكفي لتغطية بقية النفقات.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِى قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِى لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِى أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِى أَيْدِيهِمْ. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ) رواه ابن ماجه، وصححه الألباني .

2- انقطاع المطر مما يؤثر على الخارج من النبات، ويؤدي إلى ارتفاع أسعاره، كما يؤثر على ارتفاع أسعار علف الحيوان، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم وغيرها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا.... ) الحديث.

3- قلة المؤنة وحدوث الجدب، وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ... ) الحديث .

4- محق البركة أي زوال البركة، وهذا يؤدي إلى الإنفاق الكثير مع تحقيق القليل من الحاجات لانتزاع البركة من المال، وقد تنزع من الأعمار والأولاد والأوقات والطعام والشراب والصحة وغيرها، قال الله -تعالى-: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة:276) .

5- الحرب من الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: وذلك لأن المعصية إعلان حرب على الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك لأن الله -سبحانه وتعالى- آذنهم بحرب منه، وهم لا قـِبل لهم بالله -سبحانه وتعالى-، فلله جنود السموات والأرض، وما يعلم جنود ربك إلا هو.

قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة:278-279) .

6- تحول النعم إلى نقم: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .

أي أن النعم تزول، ويحل محلها النقم والبلاء والعذاب، قال -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الأنفال:53) ، وقال -تعالى-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112) ، وقال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ) (سبأ:15-17) .

7- التخبط الشديد الذي يفقد الإنسان صوابه، ويبعده عن التفكير الصحيح والتخطيط المفيد لحل مشاكله، قال -تعالى-: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة:275) .

فهذه آثار المعاصي على اقتصاد الفرد والأسرة والمجتمع، وإن الحل لهذه المعضلة والمشكلة الكبيرة التي تتحير فيها العقول لا تجد لها حلاً، فإن حلها في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.... فما هو الحل.... ؟!

الحل في طاعة الله -سبحانه وتعالى-، وتحقيق العبودية له. فإذا ما حقق العبد العبودية لله -عز وجل- كفاه وآواه وأغناه بفضله ومَنِّه، وكتب له السعادة والهناء، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِى أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) رواه الترمذي، وصححه الألباني .

الصفحة التالية