عاشوراء وضبط المفاهيم
سامح بسيوني • التزكية
فقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الأخلاق والمعاملات والسلوك في تعايشه مع يهود المدينة طبقًا لذلك العقد المطلق الجائز الذي عقده معهم في وثيقة المدينة في ذات الوقت الذي أعلن فيه مخالفتهم في عقائدهم وأعيادهم التي هي شعائر لدينهم، وفى عباداتهم كصيام عاشوراء كما بينا في الحديث السابق، حيث كُتب في دستور وثيقة المدينة: "وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين"، وتكفل لهم فيها بجميع أنواع الحقوق:
- فلم يقتل صلى الله عليه وسلم يهوديًّا إلا مَن خان وغدر، ولم يكره أحدًا منهم على الإسلام، عملًا بقوله سبحانه وتعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، وكتب في ميثاق المدينة: "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم".
- ولم يصادر صلى الله عليه وسلم أملاك أحدٍ منهم، بل أقر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على تجارتهم معهم.
- وجعل لهم صلى الله عليه وسلم حق الحماية والدفاع عن المدينة مع المسلمين؛ فقد جاء في ميثاق المدينة: "وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة".
- وقام صلى الله عليه وسلم بالعدل معهم في المعاملة ورفع الظلم عن المظلومين منهم، كما جاء في صحيفة المدينة: "وأنه مَن تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم"، وحقق صلى الله عليه وسلم ذلك عمليًّا؛ ولو كان على حساب المسلمين.
فمِن ذلك أنه لما قتلَ أهلُ خيبر عبدَ الله بن سهل رضي الله عنه: لم يقض النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بالدية، ولم يعاقبهم على جريمتهم، لعدم وجود البينة الظاهرة ضدهم، بل دفع النبي صلى الله عليه وسلم ديته من أموال المسلمين (والقصة في البخاري ومسلم).
- وكذلك لما اختصم الأشعث بن قيس ورجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض باليمن ولم يكن لعبد الله بيِّنة قضى فيها لليهودي بيمينه (وهي أيضًا في البخاري ومسلم).
- وقد وردت أخبار كثيرة في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعفو عن كل من أظهر الوفاء بالعهد من اليهود، ولا يعاقب إلا من شارك في الغدر أو أقر ورضي.
- لذلك لا بد لنا أن نعي أن عاشوراء ليس مجرد حدث تاريخي؛ إنما هو بيانٌ واضحٌ لقضية التمايز والتباين والتعايش بين أمة الإسلام وأمم الأرض كلها، وبيان كذلك لهذا التميز الأخلاقي والحضاري المطلوب من أبناء هذه الأمة في كل زمان ومكان.
فهل ستنضبط تصوراتنا في بداية عامنا بمثل هذه المفاهيم، وهل نستطيع أن نغرس تلك المعاني الشاملة واللازمة لعزة أمتنا ورفعة أوطاننا في أجيالنا القادمة في ظل تلك المحاولات المستمرة من الغرب والصهاينة لتدجين أجيالنا بمفاهيم الإبراهيمية والإنسانية المزعومة.
مَن لي بجيل مستجدٍّ لم يرث إلا عن الجـد القديـم الأبْعَـدِ
يرث ابن حفص في أصالةِ رأيه أو خــالدًا في عزمه المتـوقِّد
