الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (77) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
مع أن مَن تأمل أحوالَ الناس الذين يعظِّمون القبور ويطلبون المدد مِن أًصحابها، يعلم يقينًا: أن عقيدتهم كاعتقاد هؤلاء المشركين في أوثانهم التي ترمز عندهم إلى الملائكة التي اعتقدوا أنها بنات الله، وأنهم ما يطلبون ذلك إلا على سبيل الشفاعة، كمَن عبدها مِن دون الله -أو مع الله- ويزعم أنها تشفع لهم، قال الله تعالى: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ) (يونس: 18) ، وقال: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) (الزمر: 3) .
وكان المشركون يقولون: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك، ملكته وما ملك"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن قولهم: "لبيك لا شريك لك لبيك. قد قد"، أي: اكتفوا بذلك؛ فصار هؤلاء اليوم يقولون: يستطيع الولي أن يخلقَ الجنينَ في بطن المرأة، وأن يهب طالب الولد ولدًا، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يدبِّر الأكوان، وأن عليًّا يدبِّر الأفلاك، وأن الكون يدبره الأقطاب؛ يظنون أنهم إذا زادوا: "بإذن الله" أن ذلك يجزئ عنهم، مع أنهم كذبوا في ذلك الاعتقاد، وفعلوا مثلما فعل المشركون حين أرادوا أن يبرروا شركهم بأن يقولوا: "إلا شريكًا هو لك، ملكته وما ملك"؛ قال الله سبحانه وتعالى في الرد عليهم: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى . تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى . أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) (النجم: 19-26) .
وهذا كله يبيِّن: أن اعتقادَ مَن ينتسبون إلى الإسلام اليوم، بل إلى العِلْم والفتوى، مثل ما يعتقد المشركون في أوثانهم أنها على سبيل الشفاعة، وأنها مملوكة لله؛ فما دام أقرَّ بذلك جَاز أن يصرف لها: الدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، والحلف بها، وبعضهم يجوِّز ذلك بأنهم لا يستقلون بالفعل والتأثير، مع أن المشركين لم يقولوا ذلك، فصاروا شرًّا منهم، وذلك أن المشركين كانوا يقرون بأن مَن يدبر الأمر هو الله، قال الله -عز وجل-: ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) (يونس: 31) .
وبعضهم يدَّعي أن ذلك على سبيل المجاز العقلي، مع أن الناس لا تعرف المجاز ولا تقصده، بل يقولون: الأولياء يسمعون ويجيبون؛ نعوذ بالله، وكل ذلك بسبب عدم انتفاعهم بالقرآن، وعدم علمهم، وعدم عملهم بقاعدة: "العِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"؛ التي عمل بها الصحابة، وفهموا بها القرآن؛ فانتفعوا بآياته.
وإن كان لا بد لنا هنا مِن التنبيه على أن: الانتفاع بهذه القاعدة لا يَلْزَم منه التسوية بين المسلم والكافر، ولا بين الشرك وما دونه، كما يفعله كثيرٌ ممَّن يدَّعي التَّدَبُّر، ويسير على طريقة بعض المعاصرين الذين لم يتقِنوا العِلْمَ، وجعلوا يسقطون الآيات على الواقع دون إدراكِ الفَرْق بين الشرك وبين ما دونه، وبين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وبين كفر النوع وكفر المعيَّن، وبين الكفر بالعموم وبين تكفير نوع القائل أو الفاعل.
وكذا مَن لا ينتبه إلى قضية استيفاء الشروط وانتفاء الموانع قَبْل تكفير المُعَيَّن، والتي نَبَع منها إنكار العذر بالجهل، وهو مِن أهم موانع التكفير في زماننا، وبالتالي: توسَّع في تكفير مجتمعات المسلمين، وكفَّر الملايين، بل مئات الملايين مِن المسلمين دون إقامة الحجة على مَن فعل الشرك منهم، وإزالة الشبهة فضلًا عمَّن لم يقع في الشرك، وإنما لم يَعْرِف حالَه؛ فوقع بسبب هذا: الخلل والاضطراب في مسائل الإيمان والكفر، والحق وسطٌ بين الفريقين، وعَدْل ونَصَف بين الطرفين.
