الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (82) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (2)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله تعالى: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (النساء: 163-165) .
قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: ( وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها. وهذه تسمية الأنبياء الذين نَصَّ الله على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكذا ذو الكفل عند كثيرٍ من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: ( وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ ) أي: خلقًا آخرين لم يُذكَروا في القرآن، وقد اختلف في عِدَّة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه رحمه الله في تفسيره، بسنده عن أبي ذر قال: قلتُ: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير"، قلت: يا رسول الله، مَن كان أولهم؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلًا".
ثم قال: "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم، وشيث، ونوح، وخنوخ -وهو إدريس، وهو أول مَن خَطَّ بالقلم- وأربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي مِن بني إسرائيل: موسى، وآخرهم: عيسى. وأول النبيين آدم، وآخرهم نبيك صلى الله عليه وسلم ".
وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه: "الأنواع والتقاسيم" وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي، فذكر هذا الحديث في كتابه: "الموضوعات"، واتهم به إبراهيم بن هشام هذا ( قلتُ: يعني الراوي عن أبيه عن جده عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر)، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، فالله أعلم.
( قلتُ: هذا الحديث بهذه الألفاظ ضعيف بلا شك، ولا يمكن أن يصحح، ولا أن يحسن؛ خصوصًا في ذكر أن إدريس هو خنوخ، وأنه أول مَن خط بالقلم، فكل هذه إسرائيليات، وكذا ذكر الأربعة السريانية، ومنهم: آدم؛ فإن هذا كله لا يثبت قط عن الرسول صلى الله عليه وسلم)، وقد روي الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر، فقال ابن أبي حاتم: ذكر سند ضعيف عن أبي أمامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا".
معان بن رفاعة السلامي ضعيف، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضًا.
وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي: عن يزيد الرقاشي (ضعيف)، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس".
قال: وهذا أيضًا إسناد ضعيف فيه الربذي ضعيف، وشيخه الرقاشي أضعف منه أيضًا، والله أعلم.
وروى أبو يعلى: عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا".
وقد رويناه عن أنس من وجه آخر، وذكر السند الذي أخبره به أبو عبد الله الذهبي، أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت على إثر من ثلاثة آلاف نبي من بني إسرائيل"، وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معروفون إلا أحمد بن طارق هذا، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، والله أعلم. ( قلت: ومثل هذا لا يقال إسناده لا بأس به، فالمجهول لا يصح حديثه).
