صيانة جناب التوحيد
سامح بسيوني • المنهج السلفي
- ويشهد لهذا المعنى أيضًا: حديث عائشة رضي الله عنها في البخاري: "إنَّ أُولَئِكَ إذَا كانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا علَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فيه تِلكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ"؛ فهذا نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين؛ لأنه صرَّح أنه مِن أسباب كونهم من شرار الخلق عند الله تعالى، ويؤيده حديث جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه"؛ فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر، كما يشمل بناء القبة عليه، بل الأول أولى بالنهي كما لا يخفى، فثبت بهذا أن هذا المعنى صحيح أيضًا يدل عليه لفظ "الاتخاذ"، وتؤيده الأدلة الأخرى.
والأحاديث التي سبق ذكرها في النهي عن اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد على القبور، شاملة للنهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور، بل دلالتها على ذلك أوضح؛ وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه، ومثاله: إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك، كما لا يخفى، بل النهي عنه من باب أولى.
ومن البيِّن جدًّا: أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودًا بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودًا بالذات، بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها، سلبًا أو إيجابًا.
فإذا أمر الشارع ببناء المساجد؛ فهو يأمر ضمنًا بالصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور، فهو ينهى ضمنًا عن الصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء أيضًا، وهذا بيِّن لا يخفى على عاقلٍ -إن شاء الله تعالى-.
وجملة القول: إن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كلَّ هذه المعاني الثلاثة، فهو مِن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وقد قال بذلك الإمام الشافعي رحمه الله؛ ففي كتابه (الأم) ما نصه: "وأكره أن يُبنى على القبر مسجدٌ، وأن يُسوَّى، أو يُصلَّى عليه، وهو غير مُسوَّى -يعني: أنه ظاهر معروف- أو يُصلى إليه، قال: وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قال: وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره -والله تعالى أعلم- أن يُعظّمه أحد من المسلمين، يعني يتخذ قبره مسجدًا، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على مَن يأتي بعده" (الأم للشافعي) .
فقد استدل الشافعي هنا رحمه الله بالحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرها في سياق كلامه؛ فهو دليل واضح على أنه يفهم الحديث على عمومه، وكذلك صنع المحقق الشيخ على القارئ نقلًا عن بعض أئمة الحنفية، فقال في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح": "سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيمًا لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم، والتوجُّه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي؛ لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك؛ إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمّنه الشرك الخفي... كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا، ويؤيده ما جاء في رواية: "لَعْنَةُ اللَّه على اليهود والنَّصارى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِد"، قالت عائشة: يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا... ".
والسبب الأول الذي ذكره، وهو: السجود لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، وإن كان غير مستبعد حصوله من اليهود والنصارى؛ فإنه غير متبادر من قوله صلى الله عليه وسلم: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ فإن ظاهره أنهم اتخذوها مساجد لعبادة الله فيها على المعاني السابقة تبركًا بمَن دُفِن فيها من الأنبياء، وإن كان هذا أدَّى بهم -كما يؤدي بغيرهم- إلى وقوعهم في الشرك الجلي.
