الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (87) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (7)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله تعالى: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا . رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (النساء: 163-165) .
الفائدة السابعة:
دَلَّ قوله تعالى: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )، على أن إرسالَ الرُّسُل من آثار صفة العزة وصفة الحكمة لله تعالى؛ فهو لكمال عزته لم يكتفِ في إقامة الحجة على الناس وتعذيبهم بذنوبهم وشركهم وكفرهم، بالميثاق الذي أخذه عليهم وهم في ظهر أبيهم آدم عليه السلام، بأنه سبحانه وتعالى ربهم، وأن لا يشركوا به شيئًا، ولا بأنه قد فطرهم سبحانه وتعالى على التوحيد كما قال تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (الروم: 30) .
وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية له: ( لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ )، وفي الحديث الصحيح أيضًا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ) (رواه مسلم) .
بل هو لا يعذبهم سبحانه إلا بعد إرسال الرسل؛ لئلا لا يكون للناس حجة بعد الرسل، والرسل تذكرهم بالميثاق الأول، وتذكرهم بالفطرة التي بُدِّلت عندهم إلى اليهودية أو النصرانية، أو المجوسية، أو غيرها؛ فإذا تذكروا بدعوة الرسل وَجَدوا أن التوحيد وتصديق الرسل هو الذي يجدونه حقًّا في قلوبهم بمقتضى هذه الفطرة، وهي أثر الميثاق الأول، وليست هي الميثاق الأول، لكنها مِن آثاره، ولا يوجد بين السَّلَف مَن ينكر الميثاق الأول، وهو الثابت في الحديث المتفق على صحته عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ؛ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي! ).
وهذه الفطرة وهذا الميثاق الأول إنما كان حجة للميثاق الآخِر؛ لميثاق الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وليس حجة مستقلة؛ كما زعم مَن يخالف ذلك -كابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن أبي العز شارح الطحاوية رحمهم الله- ممَّن قالوا: إن في المسألة قولين للسَّلَف، وجعلوا قول الحسن في ذلك مخالفًا لكلِّ الصحابة والتابعين في ذِكْره الفطرةَ في هذه الآية، مع أن للحسن رواية صحيحة واضحة أنه يُثبِت الميثاق الأول، وهو قد بَيَّن أن الفطرة أثر للميثاق الأول كما نص عليه ابن عباس رضي الله عنهما.
فتنبه لهذه المسألة الخطيرة، مع كون هؤلاء الأئمة جميعًا يقولون: إن الحجة لا تتم إلا ببعثة الرسل؛ ولعل ختم الله تعالى الآية الكريمة بهذين الاسمين الكريمين: العزيز والحكيم في قوله تعالى: ( وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )، وتبيين أن بعثة الرسل من آثار العزة والحكمة؛ هو السر في ختم عيسى صلى الله عليه وسلم دعاؤه يوم القيامة: ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (المائدة: 118 ) ؛ ففي ذلك -والله أعلم- إشارة إلى أن مَن يمكن أن يُغفَر الله لهم ممَّن أشركوا مِن النصارى إنما يكون لمَن تقم عليهم الحجة لعدم وصول الكتب لهم وتقليدهم الأحبار والرهبان، ولم يبلغهم عن عيسى صلى الله عليه وسلم، ولا عن غيره شيء خلاف ما بلغهم؛ فإن هؤلاء يكونون مِن أهل الامتحان يوم القيامة، وقد يُغفَر لبعضهم إذا استجابوا لأمر الله عز وجل، وهذا مقتضى عزته وحكمته أن لا يعذب أحدًا لم تبلغه دعوة الرسل بالتوحيد، وبالتفصيل الذي جاءوا به، والله أعلم.
ومع ثبوت هاتين الحجتين: الميثاق الأول، والفطرة لم يعذب الله أحدًا إلا بعد إرسال الرسل؛ قال تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) (الإسراء: 15) ، أي: وتبلغ الناس دعوة هذا الرسول، كما قال تعالى: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (الأنعام: 19) .
وهذا الأصل مجمع عليه عند أهل السنة؛ خلافًا للمعتزلة الذين قالوا بأن الحجة العقلية -بزعمهم!- وهي: عِلْم الكلام والمنطق، وهي في الحقيقة ليست حجة عقلية، بل مجرد شبهات كلامية؛ جعلوها حجة ثابتة على العباد في أصل الدِّين وبعض فروعه، يعذَّبون عليها يوم القيامة ولو لم تبلغهم دعوة الرسل؛ إجمالًا في أصل الدِّين، وتفصيلًا في تفاصيل الإيمان وفروع الدِّين.
