شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوصايا النبوية (9) الحث على الصدق والتحذير من الكذب (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- موقف في أهمية صدق النية: عن شداد بن الهاد -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- سَبْيًا، فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ( قَسَمْتُهُ لَكَ )، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إلى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إلى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: ( إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ ).

فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَهُوَ هُوَ؟ ) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ( صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ )، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: ( اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .

رابعًا: صدق الأحوال:

معناه: مطابقة حاله الظاهر لأقواله وأفعاله ونيته (ظهور آثار الصدق على الوجه والجوارح وسائر التصرفات): عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ" (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

التحذير من الكذب: (وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ):

- النهي عن الكذب؛ لأنه يوصل إلى الفسق والفجور، فتصير أقواله وأعماله كلها على خلاف الحقيقة، خارجة عن طاعة الله، والخروج عن طاعته هو الهاوية التي تقود صاحبها وتزج به في النار: ( وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إلى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إلى النَّارِ )، وقال -تعالى-: ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (البقرة: 10) .

- الكذب خلق ذميم يكتسبه صاحبه من طول ممارسته، وتحريه قولًا وفعلًا، حتى يصبح خُلقًا وسجية، ثم يكتب عند الله -تعالى- كثير الكذب عديم الصدق: ( وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ).

- وإن الكاذب لمحذور في حياته لا يوثق به في خبر ولا معاملة، وإنه لموضع الوصف القبيح بعد وفاته: "سئل شريك بن عبد الله فقيل له: يا أبا عبد الله، رجل سمعته يكذب متعمدًا أأصلي خلفه؟ قال: لا" (تفسير القرطبي) .

- إن الإنسان لينفر أن يقال له بين الناس: يا كذاب؛ فكيف يقبل أن يكتب عند خالقه كذابًا؟ قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لأن يضعني الصدق أحب إليَّ من أن يرفعني الكذب" ( أدب الدنيا والدين للماوردي) . "وهذا أبو سفيان ذهب قبل أن يسلم في ركب من قريش تجار إلى الشام، فلما سمع بهم هرقل ملك الروم بعث إليهم ليسألهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال أبو سفيان: "فَوَاللهِ ‌لَوْلَا ‌الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ!" (رواه البخاري) .

- فأين أولئك الذين يكذبون ليضحكوا الناس، أو الذين يقولون: "كذب أبيض!" مِن هذا؟! ففي الحديث: ( وَيْلٌ ‌لِلَّذِي ‌يُحَدِّثُ ‌فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، وعن عبد الله بن عامر -رضي الله عنه- قال: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَمَا أَرَدْتِ ‌أَنْ ‌تُعْطِيهِ؟ ) قَالَتْ: أُعْطِيهِ ‌تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا، كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .

مجالات الكذب:

- هي نفس مجالات الصدق التي تقدَّمت؛ فهو إن لم يصدق فيها كان من الكاذبين.

خاتمة: ملخص الوصية:

1- أن للجنة أعمالًا توصل إليها، منها: الصدق، وأن للنار أعمالًا توصل إليها، منها: الكذب.

2- الأمر بالصدق؛ لأنه يدل ويوصل إلى البرِّ الذي هو جِمَاع الخير، والبر هو الطريق المستقيم للجنة.

3- أن الصدق خُلُق كريم يحصل بالاكتساب والمجاهدة.

4- أن الكذب خلق ذميم يكتسبه صاحبه من طول ممارسته، وتحريه قولًا وفعلًا، حتى يصبح خُلُقًا وسجية.

5- أن الكذب يوصل إلى الفسق والفجور، الذي يقود صاحبه إلى النار.

فاللهم اجعلنا من الصادقين في الدنيا والآخرة.

الصفحة السابقة