وقفات مع سورة الكهف (10)
خالد آل رحيم • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنواصل الحديث عن سورة الكهف، ونبدأ بقوله تعالى: ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ) (الكهف: 29) .
فقوله تعالى: ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي: قل لهم ولغيرهم؛ لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس، الحق من ربكم، ومنه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، ولست بطارد المؤمنين لهواكم؛ فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا؛ ولذلك قال تعالى ( فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ )، وهذا على سبيل التهديد وليس على سبيل الاختيار، ولتعلموا: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ) أي: هيئنا بما لنا من العظمة تهيئة قريبة جدًّا، وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير. ولفظ: ( أَعْتَدْنَا ) يلقي ظل السرعة والتهيؤ والاستعداد، والأخذ المباشر إلى النار المعدة المهيئة للاستقبال.
قال ابن عاشور رحمه الله: "وتنوين ( نَارًا ) للتهويل والتعظيم" (انتهى) .
ثم شرع المولى تعالى في وصف تلك النار المُعدة سلفًا، فقال: ( أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) أي: حائطها الذي يُدار حولها كما يُدار حول الخيمة من جميع الجوانب؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "حائط من نار". وقال السعدي رحمه الله: "سورها المحيط بها؛ فليس لهم منفذ ولا طريق، ولا مخلص منها" (انتهى) .
وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سُرادق النار أربعة جدران كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة"، وبعد ذلك شرع المولى تعالى في ذكر شرابهم، فقال: ( وَإِن يَسْتَغِيثُوا ) أي: مِن حر النار، فيطلبوا الغيث، وهو ماء المطر والغوث بإحضاره لهم، ( يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ )، فهم يغاثون، ولكن ليس بماء مثل الذي يحيي الأرض بعد صيرورتها جرزًا، بل هو ( كَالْمُهْلِ )، وهو القطران الرقيق، وما ذاب من صفر أو حديد، أو الزيت أو درديه. وقيل: هو كل ما أُذيب بالنار من معادن الأرض من حديد ورصاص ونحاس. وقيل: هو عكر الزيت. قال الضحاك: "ماء جهنم أسود، وهي سوداء وشجرها أسود، وأهلها سود" (انتهى) .
ولتبيكتهم سُمي أعلى أنواع العذاب إغاثة، والإغاثة هي الإنقاذ من العذاب، وهذا الماء ( يَشْوِي الْوُجُوهَ ) أي: إذا قرب من الفم؛ فكيف بالفم أو الجوف؟!
قال ابن كثير رحمه الله: "من حره إذا أراد الكافر أن يشربه وقرَّبه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه!" (انتهى) ؛ ولذلك عقب تعالى بقوله: ( بِئْسَ الشَّرَابُ )؛ لأنه أسود منتن غليظ حار وعطف عليه ذم النار المعدة لهم، فقال تعالى: ( وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: منزلًا. وقال مجاهد: مجتمعًا، وقال عطاء: مقرًّا. وقال القتيبي: مجلسًا.
قال ابن عاشور رحمه الله: "وأصل المرتفق: المتكأ، وشأن المرتفق أن يكون مكان استراحة؛ فإطلاق ذلك على النار تهكم" (انتهى) .
ومن خلال هذه الآيات، أعلم تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم ثلاث حقائق كبرى، لها أثر عظيم في حياة البشرية على مدار التاريخ:
الأولى: أن الحق الذي لا باطل فيه هو الذي جاء من عند الله، ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ).
الثانية: أن الإنسان له كامل الحرية في اختيار الدين، ( فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ).
الثالثة: أن الإنسان الذي يختار الكفر بإرادته؛ عليه أن يتحمل عاقبة كفره، ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ).
وإلى لقاء في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.
