شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (96) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (16)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وهذا الكلام الواضح في أنه لا يكفِّر، ولا يُقَاتِل إلا بعد قيام الحجة، وقد زاد ذلك توضيحًا، فقال رحمه الله: "تكفير مَن بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله، ثم أبغضه ونَفَّر الناس عنه، وجاهد مَن صَدَّق الرسول فيه، ومَن عرف الشرك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعِث بإنكاره، وأقر بذلك ليلًا أو نهارًا، ثم مدحه وحسَّنه للناس، وزعم أن أهله لا يخطئون؛ لأنهم السواد الأعظم! وأما ما ذكره الأعداء عني: أني أكفِّر بالظن وبالموالاة أو أكفِّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة؛ فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله" (رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 6/ 1-25) .

وقال رحمه الله: "وأما التكفير، فأنا أكفِّر مَن عرف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سَبَّه ونهى الناس عنه، وعادى مَن فعله؛ فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك" (المصدر السابق، ص 38) .

وقال رحمه الله: "وإنما نكفِّر مَن أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبيِّن له الحجة على بطلان الشرك" (المصدر السابق، ص 60) .

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "والشيخ محمد رحمه الله مِن أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر؛ حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له مَن ينصحه، ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها".

وهذه النقول كلها تؤكِّد بطلان ما نسبه البعض للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، مِن أنه يكفِّر الأمة منذ قرون، أو أنه سببٌ في نشر فكر التكفير بين الناس، وأنه وَقَع فيما وَقَع فيه الخوارج؛ فهذه الأقوال الباطلة لا بد مِن ردِّها عن الشيخ، وكتبه مليئة ببيان مذهبه الموافق للسلف في هذه المسألة؛ فليتقِ الله مَن يطعن في الشيخ بزعم أنه الذي نَشَر فكر التكفير!

مسألة مهمة:

هل الخلاف في العذر بالجهل: خلاف في العقيدة أم خلاف في أصول الفقه؟

الجواب: أن هذه المسألة يترتَّب عليها تكفيرُ عددٍ هائلٍ مِن المسلمين؛ فهي مِن مسائل الاعتقاد بلا شك، كما أن أصلَ المسألة مأخوذ عن المعتزلة الذين يقولون بعدم وجوب الحجة الرسالية طالما قامت الحجة العقلية، وإن غَيَّر اللفظ بعض المعاصرين فقالوا: "دليل الفطرة!"، وبعضهم يقول: "دليل ميثاق الذر!"؛ فلا يشترطون الحجة الرسالية، ولا شك أن هذه المسألة فرع على التحسين والتقبيح العقليين التي قال بها المعتزلة، وحاكموا الناس إليها دون رجوع إلى ما ثَبَت من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولذا فالمسألة خطيرة، وليست مجرد خلاف في أصول الفقه في قضايا عوارض الأهلية -كما زعمه البعض!-؛ فإن هذا ليس كذلك، بل هي مسألة عقدية حول تكفير المخالفين مِن أهل البدع، وكذا تكفير مَن وقع في الشرك جاهلًا أو مخطئًا؛ لذلك لا بد من الحذر

كما أن التطبيق العملي الذي وَقَع مِن جماعات التكفير لما ظنوه مذهبًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب أو بعض أتباعه؛ أدَّى إلى انتشار فكر خبيث مدمِّر، سُفِكَت به الدماء، وانتهكت به الحرمات؛ فكيف يهوَّن مِن شأن هذه المسألة الخطيرة بزعم أنها ليست من مسائل العقيدة، بل هي كذلك منها، وهي مِن ميراث فكر الخوارج والمعتزلة من الوعيدية.

ونكتفي بهذه النقول في هذه المسألة المهمة؛ لعل أن يكون فيها عِبْرَة لمَن اعتبر، وموعظة لمَن تجرأ على تكفير المسلمين.

الصفحة السابقة