الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (97) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (1)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وقرأ الجمهور بالفتح؛ إما على أنه عَلَم أعجمي لا ينصرف، وهو بدل من قوله: ( لِأَبِيهِ ) أو عطف بيان، وهو أشبه. وعلى قول مَن جعله نعتًا لا ينصرف أيضًا: كأحمر وأسود؛ فأما مَن زعم أنه منصوب؛ لكونه معمولًا لقوله: ( أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ) تقديره: يا أبت، أتتخذ آزر أصنامًا آلهة؛ فإنه قول بعيد في اللغة، فإن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله؛ لأن له صدر الكلام، كذا قرَّره ابن جرير وغيره. وهو مشهور في قواعد العربية.
والمقصود: أن إبراهيم عليه السلام وَعَظ أباه في عبادة الأصنام وزجره عنها، ونهاه فلم ينتهِ، كما قال: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ) أي: أتتأله لصنمٍ تعبده من دون الله؟! ( إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ ) أي: السالكين مسلكك ( فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) أي: تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بيِّنٌ واضحٌ لكلِّ ذي عقلٍ سليمٍ.
وقال تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) (مريم: 41-48 ) ، فكان إبراهيم عليه السلام، يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبيَّن إبراهيم ذلك؛ رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال تعالى: ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة: 114 ) .
وثبت في الصحيح: أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ( يَلْقَى أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ؟! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ -ضبع- مُلْتَطِخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ) (رواه البخاري) " (انتهى من تفسير ابن كثير بتصرفٍ يسيرٍ) .
وللحديث بقية إن شاء الله.
