الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (99) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (3)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وقوله -تعالى-: ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ) استثناء منقطع؛ أي: لا يضر ولا ينفع إلا الله -عز وجل- ( قلتُ: ( إِلَّا ) بمعنى لكن، أي لكن إن شاء ربي شيئًا مِن الضرر؛ فعندئذٍ يقع ذلك).
( وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) أي: أحاط علمه بجميع الأشياء، فلا يخفى عليه خافية.
( أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ) أي: فيما بيَّنته لكم، فتعتبرون أن هذه الآلهة باطلة، فتنزجروا عن عبادتها؟ وهذه الحجة نظير ما احتج به نبي الله هود -عليه السلام- على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول: ( قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (هود:53-56) ، وقوله: ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ) أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدون من دون الله، ( وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ) قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي: حجة، وهذا كقوله -تعالى-: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى: 21) ، وقال: ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) (النجم: 23) .
وقوله: ( فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )أي: فأي الطائفتين أصوب؟ الذي عبد مَن بيده الضر والنفع أو الذي عبد مَن لا يضر ولا ينفع بلا دليل؟! أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟! قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا؛ هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.
روى البخاري عن عبد الله، قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ( وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) قَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟! فَنَزَلَتْ: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان: 13) ( قلتُ: أي: نزلت أن يجيبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالآية التي كانوا يعلمونها قبل ذلك، كما دَلَّت عليه الروايات الأخرى في الصحيحين، وغيرهما).
وروى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله قال: "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) شَقَّ ذَلِكَ على الناس، فقالوا: يا رسول الله أينا لم يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: ( إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ ).
وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ( وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالُوا: وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَيْسَ كما تظنون، إنما قال لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )، وروى عن عبد الله بن مسعود: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، فنزلت: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (رواه البخاري) ، وفي لفظ قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: ( ليس بالذي تَعْنُونَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ )، ولابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعًا قال: ( لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ) قال: "بشرك".
وقال وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأُبَي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغير واحد، نحو ذلك.
وللحديث بقية إن شاء الله.
