شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (6) السحر (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضَمِن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

- السحر من أكبر الكبائر، وأشنع الجرائم؛ لما له مِن أثر عظيم في إفساد حياة الناس (1) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ... ) (متفق عليه) .

السحر وأنواعه:

- السحر تعاون فاجر بين الساحر والشياطين على فعل المحرمات والشركيات؛ للإضرار بالمسحور: قال ابن قدامة -رحمه الله: "وهو عُقَدٌ ورُقًى، وكلامٌ يتكَلَّمُ به -الساحر- أو يكتُبُه أو يَعمَلُ شَيئًا يؤثِّرُ في بَدَنِ المسحورِ أو عَقْلِه أو قَلْبِه، من غيرِ مُباشَرةٍ؛ وله حقيقةٌ، فمِنه ما يَقتُلُ، ومنه ما يُمرِضُ، ومنه ما يأخُذُ الرَّجُلَ عن امرأتِه، ومنه ما يُفَرِّقُ بين المرءِ وزَوجتِه، ومنه ما يُبَغِّضُ أحَدَهما إلى الآخَرِ، ويحَبِّبُ بين اثنينِ" (المغني لأبن قدامة).

- السحر على نوعين في الجملة:

- الأول: سحر التخييل، وهو: الذي يؤثِّر على الأبصار ويأخذ العيون: قال -تعالى- عن سحرة فرعون: ( قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) (الأعراف: 105) ، وقال -تعالى- عن نبيه موسى -عليه السلام-: ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى? ) (طه: 66) .

- الثاني: سحر العقد والنفث والتعاويذ، وهو: الذي يؤثر على الأبدان والعقول والقلوب (2) : قال -تعالى-: ( وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) (الفلق: 4) ، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "سَحَرَ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ مِن بَنِي زُرَيْقٍ، يُقَالُ له: لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ، حتَّى كانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّه كانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ (3) ، حتَّى إذَا كانَ ذَاتَ يَومٍ -أوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ- وهو عِندِي، لَكِنَّهُ دَعَا ودَعَا، ثُمَّ قَالَ: ( يَا عَائِشَةُ، أشَعَرْتِ أنَّ اللَّهَ أفْتَانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ أتَانِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أحَدُهُما لِصَاحِبِهِ: ما وجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَن طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ، قَالَ: في أيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: وأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: في بئْرِ ذَرْوَانَ )، فأتَاهَا رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- في نَاسٍ مِن أصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: ( يا عَائِشَةُ، كَأنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، أوْ كَأنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ )، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: ( قدْ عَافَانِي اللَّهُ، فَكَرِهْتُ أنْ أُثَوِّرَ علَى النَّاسِ فيه شَرًّا، فأمَرَ بهَا فَدُفِنَتْ ) (متفق عليه) .

حكم السحر والسحرة:

السحر كفر بالله، والساحر كافر (4) ؛ لأنه يوهم الناس أنه قادر على النفع والضر، فهو منازع لله في ربوبيته: قال -تعالى-: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى? مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَ?كِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى? يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ) (البقرة: 102) ، وقال -تعالى- عن مصير الساحر: ( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) (البقرة: 102) .

- والساحر مستحق للقتل عند عامة أهل العلم؛ لا سيما إذا كان يتقرب إلى الشياطين (5) : فعن بجالة بن عبدة قال: "فأتانا كتابُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- قبلَ موتِه بِسَنةٍ: اقتلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ، فقتلنا ثلاثةَ سواحرَ" (رواه أبو داود، وأحمد، والبخاري باختلافٍ يسيرٍ) .

- فليحذر المسلم من إتيان السحرة لإيذاء الناس، أو ليطلب منهم قضاء الحاجات، فهو ظلمات بعضها فوق بعض: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) (الأحزاب: 58) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَن أتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عن شيءٍ، لَمْ تُقْبَلْ له صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ سَاحِرًا أَوْ كَاهِنًا فَسَألَهُ فَصَدَّقَهُ بِماَ يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ) (رواه أبو داود، وقال الألباني: "صحيح موقوف") .

كيفية الوقاية من شر السحر والسحرة؟

1- حسن التوكل على الله: قال -تعالى-: ( وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) (البقرة: 102) ، وقال -تعالى-: ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (التوبة: 51) ، وقال -تعالى-: ( وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ) (يونس: 107).

2- التوبة من المعاصي والكبائر: قال -تعالى-: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (الشورى: 30) ، وقال العباس -رضيَ اللهُ عنهُ- في دعائه في الاستسقاء: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة" (رواه الترمذي، وأحمد، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وهو ضعيف الإسناد) .

الصفحة التالية