الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (104) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (8)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وكذلك هؤلاء الذين في منزلة زوال الشك فقط، دون أن يصلوا إلى مراتب اليقين الأعلى، مثل مَن قال الله فيهم: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (الحج: 11) ، فهؤلاء قبل الفتنة في حالٍ ناقصٍ من اليقين، لكن ليس عندهم الشك المحبط للإيمان، لكن إذا فُتِنوا افتتنوا، فزال عنهم الإيمان، والواجب على المؤمن إذا فُتِن أن لا يفتن؛ لأن يقينه يقاوم الشبهات التي يلقيها الشيطان عند الفتنة، فهؤلاء الذين إن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم، قد خَرَجوا من الإيمان عند الفتنة، وكذلك مِن هؤلاء مَن قال الله -عز وجل- عنهم مِن المنافقين: ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ) (الأحزاب: 14) ، فهؤلاء قبل أن تُدخَل عليهم المدينة لم يكونوا كفارًا، ولا منافقين النفاق الأكبر، بل عندهم شعبة نفاق؛ لأن المنافقين النفاق الأكبر يفرحون بأن تُدخل عليهم المدينة، ولا يتوقفون عن إعطاء الشرك إذا طُلِب منهم، بل قبل أن يطلب منهم، وأما هؤلاء فإنهم يتوقفون قليلًا ثم يعطون ذلك، فإذا قدَّر الله أن لا تدخَل عليهم بقوا على إيمانهم الضعيف الذي لم يصل إلى درجات اليقين الواجبة.
ثم بعد ذلك هناك درجة من اليقين والتصديق، هي درجة أعلى مِن ذلك، وهي درجة عدم الفتنة إذا اُفتُتِن وإن بقيتِ الوساوس؛ فالوساوس لا تقدح في أصل الإيمان، ولا الإيمان الواجب، بل هي تقدح في كماله؛ ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن سأله: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: ( وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ ) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ( ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ ) (رواه مسلم) ، فالذي يدافع الوسوسة عنده اليقين الواجب، وأما مَن هو في المنزلة أعلى مِن ذلك؛ فهو الذي لا تأتيه الوساوس، وقد اطمئن قلبُه بأدلة اليقين.
وأما ما هو أعلى مِن ذلك؛ فهو درجة المعاينة التي سألها إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- بقوله: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (البقرة: 260 ) ، والتي أعطاها الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- دون سؤالٍ؛ قال -تعالى-: ( أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى . عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) (النجم: 12-18) ؛ رأى جبريل -عليه السلام-، ورأى الجنة والنار في آياتٍ أراه الله -عز وجل- إياها).
قال: وأخبر عن أهل النار: بأنهم لم يكونوا مِن أهل اليقين، فقال -تعالى-: ( وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ) (الجاثية: 32) .
فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره.
وروى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التيمي عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا ترضين أحدًا بسخط الله، ولا تحمدن أحدًا على فضل الله، ولا تذمن أحدًا على ما لم يؤتك الله؛ فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص، ولا يرده عنك كراهية كاره، وإن الله بعدله وقسطه جَعَل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" ( قلتُ: صحيح موقوفًا، وليس معناه: أن لا يشكر الإنسان الناس على ما أحسنوا إليه، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، ولكن المعنى أن لا تحمدهم على أنهم مصدر النعمة، وأنهم هم الذين تولوا إسداءها إليك من دون الله، وإنما هم أسباب يسرها الله -عز وجل- لكَ؛ لكي تصلك النعمة، وكذلك الذم على ما لم يؤتك الله؛ فأنت تنظر أولًا إلى أن هذا لم يكن لك برزق طالما فاتك؛ فإن ( مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما يذم الناس على تقصيرهم: كالسارق الذي سَرَق من الناس ما لا يستحق، والغاش والمختلس والمغتصب؛ فكل هؤلاء مذمومون بلسان الشرع؛ نذمهم على ذلك، ولا نظن أنهم منعوا عنا رزق الله).
قال: واليقين قرين التوكل؛ ولهذا فُسِّر التوكل بقوة اليقين. والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته، ولهذا حَسُن اقتران الهدى به؛ قال الله -تعالى-: ( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ) (النمل: 79) ، فالحق هو اليقين، وقالت رسلُ الله: ( وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ) (إبراهيم: 12) ، ومتى وصل اليقينُ إلى القلب؛ امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كلُّ ريب وشك وسخط، وهم وغم؛ فامتلأ محبة لله وخوفًا منه، ورضًا به، وشكرًا له، وتوكلًا عليه، وإنابة إليه؛ فهو مادةُ جميع المقامات، والحاملُ لها.
واختلف فيه: هل هو كسبي أو موهبي؟ ( قلتُ: أي: هل يستطيع العبد أن يكتسبه أم هو مجرد هبة من الله؟).
فقيل: هو العلم المستودع في القلوب؛ يشير إلى أنه غير كسبي.
وقال سهل: اليقين من زيادة الإيمان، ولا ريب أن الإيمان كسبي.
والتحقيق: أنه كسبي باعتبار أسبابه، موهبي باعتبار نفسه وذاته.
