الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (106) دعوة إبراهيم --صلى الله عليه وسلم-- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (10)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
والمقصود: أن إلهَ العبد الذي لا بد له منه في كلِّ حالة، وكل دقيقة، وكل طرفة عين؛ فهو الإله الحق الذي كلُّ ما سواه باطل، والذي أينما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة، بل هي فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة؛ ولهذا قال إمام الحنفاء: ( لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ). والله أعلم) (انتهى من كتاب الفوائد) .
وهذا الذي ذكره ابن القيم في فقر العبد إلى الله إلهًا معبودًا محبوبًا، لا يستطيع أن يغيب في صلاح حالة عن محبة إلهه ومعبوده طرفة عين؛ حتى وهو نائم، فهو ينام على حبِّه ويستيقظ على ذكره، ولا نجاة لقلبه وحياة هذا القلب إلا بالله -عز وجل-؛ ولذلك بيَّن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- أن تعلق إبراهيم بإله غير الله: كذلك النجم، ومثله غيره من الكواكب والنجوم، والشمس والقمر، لكنه يعدد في كلِّ مَثَل شيئًا تبطل به عبادة هذا وعبادة أمثاله؛ ذلك أنها لا تصلح لتعلق القلب بها كل لحظة وكل طرفة عين، ولا تصلح أن ينامَ العبدُ على حبِّ هذه الأشياء، ولا أن يستيقظ بذكرها؛ فإن ذلك يضره أعظم الضرر؛ خاصة أنه إذا استيقظ فوجدها غائبة؛ فكيف يحبها؟! ( لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ )، لا أحب الغائبين.
وقد يتصور عبدٌ أن المؤمن إيمانه بالله على الغيب قد يكون كذلك، فهو لا يرى ربه -سبحانه-؛ ولذا قلنا في أول كلامنا: أنه يغيب دون أثرٍ لوجوده، أما الله -عز وجل- فهو غيب، لكن أدلة وجوده في كل لحظة، بل نوم العبد واستيقاظه، وحياته وموته مِن أدلة وجوده، كما قال إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) (البقرة: 258 ) ، وتدبير الكون في وجود البشر وغيابهم من أدلة وجوده، وربوبيته وقيوميته لهذا العَالَم وإيجاده له من العَدَم من أعظم أدلة وجوده، ( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ . أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) (الطور: 36-37) .
ولذلك يظل العبد المؤمن مفتقرًا إلى الله إلهًا محبوبًا، كما افتقر إليه في أصل وجوده واستمرار بقائه، واستمرار حياة بدنه؛ فكذلك لا بد له مِن تألهه وعبادته، ومحبته، والخضوع له؛ حتى يستمر قلبه حيًّا يقظًا، ذاكرًا غير غافل، لينًا غير قاسٍ؛ فلذلك يحتاج إلى عبادته كلَّ لحظة، وإنما الصلوات الخمس مشروعة؛ لتكون ذكرى للذاكرين، قال الله -تعالى-: ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) (طه: 14) ، وقال عز وجل: ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) (هود: 114) .
فهي تذكِّره بحاجته المستمرة إلى الله إلهًا معبودًا، كما يتذكر فيها حاجته إلى الله ربًّا خالقًا، رازقًا مدبرًا، وكلا النوعين من الفقر داخل في قوله -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (فاطر: 15 ) .
