تعظيم السلف للغة القرآن الكريم
عبد المعطي عبد الغني • القسم الأدبي
- وعن ميمون بن مهران قال: "كان ابني يتعلم العربية فنهيته عنها، فشهدت ابن عمر وقد لحن ابنه فدفعه دفعة ألقاه حيث شاء الله، فرجعت إلى ابني فقلت: عليك بالعربية، فإني رأيت ابن عمر يضرب ولده على اللحن".
عن أبي بن كعب قال: "تعلموا العربية في القرآن كما تعلمون حفظه".
عناية الخلفاء والأمراء بصحة الكلام:
اهتم الخلفاء والولاة بسلامة الكلام من اللحن، فكانوا يعيبون اللحن ويستهجنونه، ويعتبرونه عاراً للكريم، ومَسَبَّة للشريف.
- الخليفة الأموي عبد الملك مروان كان من الأربع الذين لا يلحنون في جد ولا هزل، ويقول: "اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب، والجدري في الوجه".
وكان يقول: "الإعراب جمالٌ للوضيع، واللحن هُجْنَةٌ على الشريف".
وكان يخاف من اللحن خوفاً عجَّل الشيبَ إليه والشيخوخةَ. قيل له: "لقد عجل عليك الشيبُ يا أمير المؤمنين؟ فقال: شيبني ارتقاء المنابر، وتوقع اللحن".
وقال أيضاً: "كيف لا يعجل عليّ وأنا أعرض عقلي على الناس كل جمعة مرة أو مرتين".
- دخل على عبد العزيز بن مروان رجل يشكو صهراً له فقال: "إن ختني فعل بي كذا وكذا. فقال له عبد العزيز: من خَتـَنـَك؟ -بفتح النون- فقال: خَتـَنَني الخَتـَّان الذي يختِن الناس.
فقال عبد العزيز لكاتبه: ويحك بم أجابني؟
فقال له أيها الأمير: إنك لحنت، وهو لا يعرف اللحن كان ينبغي أن تقول له: من خَتـْنـُك؟ -بضم النون-، فقال عبد العزيز: أراني أتكلم بكلام لا تعرفه العرب، لا شاهدت الناس حتى أعرف اللحن، فأقام في البيت جمعة لا يظهر، ومعه من يعلمه العربية.
قال: فصلى بالناس الجمعة، وهو أفصح الناس.
- ويروى أنه كان يعطي على العربية، ويَحرِم على اللحن، حتى قدم عليه زوَّار من أهل المدينة وأهل مكة من قريش، فجعل يقول للرجل منهم: ممن أنت؟ فيقول: من بني فلان. فيقول للكاتب: أعطه مائتي دينار. حتى جاءه رجل من بني عبد الدار فقال: ممن أنت؟ فقال من بنو عبد الدار -وذلك لحن إذ الصواب: من بني عبد الدار-. فقال: تَجدُها في جائزتك. وقال للكاتب: أعطه مائة دينار.
- وكان الحجاج الثقفي -رغم جرائمه وفظائعه- معنيّاً بسلامة الكلام من الأخطاء عناية شديدة. تنسب إليه قصة طريفة رفعت إلى عبد الله بن المبارك قال: بعث الحجاج إلى البصرة أن اختر لي عشرة من عندك فاختار رجالاً منهم -كثير بن كثير- قال: وكان رجلاً عربياً، قال كثير: فقلت في نفسي لا أفلت من الحجاج إلا باللحن قال: فلما أُدخِلنا عليه دعاني فقال: ما اسمك؟ قلت: كثير، قال: ابن من؟ فقلت: إن قلتها بالياء لم آمن أن يتجاوزها، قال: أنا ابن أبا كثير -وذلك لحن إذ الصواب: ابن أبي كثير-، فقال: عليك لعنة الله، وعلى من بعثك، جثوا في قفاه. أي: اضربوا قفاه.
كان اللحن عند أهل البادية ذنباً شنيعاً يستحق صاحبه حرمان الرزق. مما يؤثر عن أحد البدو العرب أنه توجه من الصحراء إلى سوق البصرة، فرأى الناس يلحنون، فصرخ في وجوههم: "يا عجباً، كيف تلحنون، وترزقون".
ومن طريف ما يُروى أن أحد النحاة دخل على هشام بن عبد الملك، فلما حضر الغداء، وعاد هشام، وقال لفتيانه: تلاحنوا عليه، فجعل بعضهم يقول: "يا أمير المؤمنين رأيت أبي فلان، والآخر يقول: مر بي أبا فلان، ونحو ذلك. فلما أكثروا من اللحن، أدخل الأعرابي يده في الصحفة، ثم جعل يطلي لحيته، ويقول لنفسه: "ذوقي هذا جزاؤك في مجالسة الأنذال".
الشتم بالعربية أحب من المرح بغيرها:
ومن فرط حبهم للغة العربية، وغَيْرتِهم عليها، وصيانتهم لها كانوا يفضلون الشتم بها على المدح بغيرها، فقد أُثِر عن أبي الريحان البيروني قوله: "لئن أُشتَم بالعربية خير من أن أُمدَح بالفارسية". وفي رواية: "لئن أُهجَى بالعربية خير من أُمدَح بالفارسية".
الضرب بالحجر أفضل من اللحن في اللغة:
ومن صور حب السلف العجيب للغة، واهتمامهم بها، وحرصهم على صيانتها من الخطأ أنهم كانوا يفضلون الضرب على اللحن فيها، فينسب إلى قائد أموي قوله: "أحب إلي أن يضربني الرجل بحجر وألا يسمعني لحناً".
حب العربية من الإيمان:
كان سلفنا الصالح -رحمهم الله تعالى- يعدون تعلم العربية وخدمتها وحبها من الدين، ومن حب الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
يدل على ذلك ما قاله الإمام أبو منصور الثعالبي -رحمه الله-:
"من أحب الله -تعالى- أحب رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وأتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- خيرَ الرسل، والإسلامَ خيرَ الملل، والعربَ خيرَ الأمم، والعربيةَ خيرَ اللغات والألسنة، والإقبالَ على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد".
