شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (107) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (11)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قد تَعَجَّب العقلاءُ من عظمة ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ونور الكلمات التي أتى بها، وكانت سببًا لهداية مَن شاء الله هدايته، وإقرار مَن أقرَّ بذلك وإن لم يؤمن إيثارًا بدنياه؛ فممَّن هداهم الله بالهداية التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم- ضماد -رضي الله تعالى عنه-؛ فقد روى مسلم في صحيحة عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن ضماد قدم مكه وكان من أَزْدِ شَنُوءَةَ، وكان يَرقي مِن هذه الرِّيحِ -(أي: الأرواح التي كانت قريش تزعم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تأتيه جن)-، فسمِع سُفهاءَ مِن أهلِ مكَّةَ يقولونَ: إنَّ مُحمَّدًا مجنونٌ! فقال: لو أنِّي رأَيْتُ هذا الرَّجُلَ لعَلَّ اللهَ يَشفيَه على يدي. قال: فلقِيَه، فقال: يا مُحمَّدُ إنِّي أَرقِي مِن هذه الرِّيحِ، وإنَّ اللهَ يَشفي على يدي مَن شاء؛ فهل لك أرقيك؟ فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: ( إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أمَّا بعدُ ) فقال -أي ضماد-: أعِدْ علَيَّ كلماتِك هؤلاء، فأعادها عليه رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ثلاثَ مرَّاتٍ، قال: فقال: لقد سمِعْتُ قولَ الكَهنةِ، وقولَ السَّحَرةِ، وقولَ الشُّعراءِ، فما سمِعْتُ مِثْلَ كلماتِك هؤلاءِ، ولقد بلغن ناعوس البحر -أي: وسطه- (أي: بلغن مبلغًا لا يبلغه أحدٌ!)، قال: هاتِ يدَك أُبايِعْك على الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: ( وعَلَى قومِك؟ ) فقال: وعلى قومي. قال: فبايَعه، فبعَث رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- سَريَّةً فمَرُّوا بقومِه، فقال صاحبُ السَّريَّةِ للجيشِ: "هل أصَبْتُم مِن هؤلاءِ شيئًا؟ فقال رجُلٌ مِن القومِ: أصَبْتُ منهم مِطهَرَةً. فقال: ردُّوها فإنَّ هؤلاءِ قومُ ضِمادٍ".

فهذا الصحابي الجليل إنما أسلم لما تأمَّل الأنوار والهدايات في مقدمة خطبة الحاجة، قبل أن يتكلَّم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بكلمةٍ واحدةٍ، غير هذه المقدمة العظيمة.

ومِن هؤلاء الذين هداهم الله -عز وجل- بهدايات القرآن: جُبَير بن مُطْعِم -رضي الله عنه-، كما روى البخاري ومسلم وغير واحد عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في المغرب بالطور، فلما بَلَغ هذه الآية: ( ‌أَمْ ‌خُلِقُوا ‌مِنْ ‌غَيْرِ ‌شَيْءٍ ‌أَمْ ‌هُمُ ‌الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) (الطور: 35-37 ) ، قال: "كاد قلبي أن يطير!"، وقد كان جبير إذ ذاك كافرًا، أتى المدينة في فداء أسرى بدر في العام الثاني من الهجرة، وكان سماعه هذه الآيات من هذه السورة مِن جملة ما حَمَلَه على الدخول في الإسلام، وكاد قلبُه أن يطير ساعتها -أن يخرج من مكانه- لما تضمَّنته الآيات من دليل الحجة.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة