شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (109) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (13)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وكل الأديان الأرضية تجعل الآلهة المحسوسة: كالبقرة عند الهندوس، وبوذا عند البوذيين، إنما هي وسائط للإله الأكبر، وكل هؤلاء حَكَم الله بكفرهم في جميع كتبه المنزلة، وعلى ألسنة جميع رسله، قال -تعالى-: ( ‌وَمَا ‌أَرْسَلْنَا ‌مِنْ ‌قَبْلِكَ ‌مِنْ ‌رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء: 25) ، ولا يحصل الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت، قال -تعالى-: ( ‌فَمَنْ ‌يَكْفُرْ ‌بِالطَّاغُوتِ ‌وَيُؤْمِنْ ‌بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 256) ؛ ولذلك بدأت كلمة: "لا إله إلا الله" بالنفي قَبْل الإثبات؛ فلا يحصل أصلُ الإيمان والإسلام إلا بالبراءة مِن كلِّ ما يعبد مِن دون الله، وبالبراءة مِن كلِّ ملة سوى الدِّين الحق؛ وذلك باعتقاد عدم إلهية ما يعبد مِن دون الله، وبغض مَن يرضى بأن يُعبَد منها، وبغض مَن يعبدها ومعاداته مِن أجل ذلك؛ لا مِن أجل المصالح الدنيوية، والتصريح ببطلان عبادتها باللسان.

ثم بذل كل جهد في إزالة عبادتها من الأرض بالقول والحجة والبيان، ثم بالقوة والسنان؛ حسب القدرة، وحسب تشريع ذلك في الشرائع المختلفة، والأوقات المختلفة.

وقد تكررت هذه المسألة عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وغيره من أنبياء الله جميعًا في مواضع كثيرة من القرآن، قال الله -تعالى-: ( ‌وَإِذْ ‌قَالَ ‌إِبْرَاهِيمُ ‌لِأَبِيهِ ‌وَقَوْمِهِ ‌إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الزخرف: 26-28) ، أي: جَعَلَ اللهُ كلمةَ: "لا إله إلا الله" -التي هي حقيقة: ( ‌إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي )- كلمةً باقيةً في نَسْل إبراهيم لا يزال في ذريته مَن يقولها كما قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-.

وقال -تعالى-: ( ‌قَدْ ‌كَانَتْ ‌لَكُمْ ‌أُسْوَةٌ ‌حَسَنَةٌ ‌فِي ‌إِبْرَاهِيمَ ‌وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (الممتحنة: 4-5) ، وقال -تعالى-: ( ‌قُلْ ‌إِنَّنِي ‌هَدَانِي ‌رَبِّي ‌إِلَى ‌صِرَاطٍ ‌مُسْتَقِيمٍ ‌دِينًا ‌قِيَمًا ‌مِلَّةَ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌حَنِيفًا ‌وَمَا ‌كَانَ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام: 161) .

ونفي الشرك ضرورة لتحقيق الإيمان والإسلام، وليست حقيقة الإيمان تثبت بمجرد إثبات وجود الله -كما يظنه كثيرٌ من الناس!-، بل ولا إثبات صفات كمال له دون أن يفرده بالإلهية؛ فكلا النوعين من التوحيد متلازمان: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي الذي يلتزم النوع الثاني، وهو: توحيد القصد والإرادة والطلب، وأفعال العباد، فتوحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، لا بد معه -حتى ينجو الإنسان مِن النار ومِن غضب الله وسخطه-: أن يُفردَ اللهُ -عز وجل- بأفعال العبد: بالحب والخوف، والرجاء، والصبر، والشكر، والإخلاص، والإخبات، والإنابة والخضوع، وسائر عبادات القلب، والركوع والسجود والقيام والطواف، والذبح والنذر، والحلف والدعاء، والاستغاثة والاستعانة؛ فكل هذه العبادات -وغيرها- لا بد أن يُفردَ اللهُ -عز وجل- بها، ولا تصرف لأحدٍ غيره وإلا كان شركًا في الألوهية؛ حتى ولو أقرَّ بأنه هو الخالق -سبحانه-، ولقد كان اليهود والنصارى يعبدون الأحبار والرهبان مِن دون الله وهم لا يسمون ما يفعلون عبادة، لكنهم قد أحلوا لهم الحرام، وحرَّموا عليهم الحلال فاتبعوهم؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ ) (رواه الترمذي والبيهقي، وصححه الألباني) .

الفائدة الثالثة:

هذه الآية الكريمة تهدم هدمًا كاملًا كليًّا، ما اخترعه كفارُ زماننا وزنادقتهم ممَّا سموه زورًا وبهتانًا: "الدِّين الإبراهيمي الجديد!"، القائم على مساواة الملل، وإن بدأوا بالأديان الثلاثة: -اليهودية والنصرانية والإسلام-، لكنهم يقررون مساواة جميع الملل ويصوبونها كلها، وهي بدعة كفرية شركية اخترعها الأوروبيون منذ الثورة الفرنسية، واستغلها اليهود وروَّجوا لها؛ لهدم جميع الأديان ليبقى لهم دينهم في ظنهم، وهم لا يتأثرون بهذه الدعوات -بتوحيد الأديان والملل-؛ لأنهم لا يقبلون غير دينهم الذي يتعصبون له.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة