الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (110) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (14)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وهذا الكفر -الذي لا بد مِن ردِّه- يُنَاقِض أصلَ دين الإسلام، المعلوم من الدِّين بالضرورة: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"؛ فإن اليهود والنصارى، فضلًا عن غيرهم من الهندوس عُبَّاد البقر، والبوذيين عباد بوذا؛ كل هؤلاء لا يفردون الله بالإلهية، وذلك كما قال الله -عز وجل-: ( وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة: 30-33) .
ثم هؤلاء الملل كلها تكذِّب رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى أقل تقدير لا يؤمنون بنبوته العامة التي قال الله -عز وجل-: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (الأعراف: 156-158) .
فكيف يقبل عاقل هذا التناقض: أن يكون مَن كَذَّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- كمَن صدَّق الرسول وآمن به؟!
كيف يكون مَن أبغضه كمَن أحبه -صلى الله عليه وسلم-؟!
كيف يكون مَن كذَّب الله بتكذيب القرآن كمَن آمن بالقرآن، وصدَّق ربَّه -عز وجل-؟!
وكيف يستوي مَن عَبَدَ غير الله وقد حَكَم الله بكفره، مع مَن أفرد الله -عز وجل- بالعبادة؟!
إن مساواة الأديان عقيدة زندقة وكفر أكبر ناقل عن الملة، تناقض بداهة العقول، وعقيدة وحدة الوجود وأن كلَّ المعبودات شيء واحد، عقيدة معلوم من دين الإسلام بالضرورة مناقضتها لـ"لا إله إلا الله، محمد رسول الله".
فلا يجوز للمسلمين أن يزوروا بيتَ العائلة الإبراهيمية هذا، ولا أن يصلوا هناك؛ لأنهم يروِّجون لفكرة وحدة الأديان، وأما التعايش في سَلَامٍ بين أهل الملل بالعهد الذي شَرَعه الله -عز وجل-، فقد وَقَع دائمًا عَبْر الزمان؛ وإلا لما وُجِدَ يهود ولا نصارى، ولا هندوس، ولا بوذيون، في بلاد المسلمين التي كانت ممالك إسلامية عبر قرونٍ من الزمان!
لو لم يكن هناك تعايش لما تُرِكوا إلا وقد قُتِلوا، كما فَعَل الصليبيون في الأندلس، وكما فعلوا عندما أخذوا بيتَ المقدس، وكما فَعَل اليهودُ في فلسطين -ويفعلون- مِن قتلٍ يومي، وظلم وعدوان، وتغيير هوية البلاد.
المسلمون لم يتعرَّضوا لليهود، أو النصارى، ولا لغيرهم مِن أهل الملل؛ طالما التزموا بالعهود وبَذَلوا الجزية في ذلك الوقت، بل كان الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- عاهدهم بلا جزية، ونقضوا في كلِّ مرة.
المعايشة السلمية أمرٌ محتملٌ ومقبولٌ دون تنازلٍ عن الهوية الإسلامية، ودون تنازلٍ عن العقيدة، ودون بيوت عبادة موحَّدة، لم توجد قط في زمن المسلمين في أضعف حالاتهم؛ لأنهم لم يتنازلوا عن عقيدتهم.
نسأل اللهَ -عز وجل- أن يكفَّ شرَّ كلِّ ذي شرٍّ عن المسلمين، وأن يحفظ على المسلمين دينهم وهويتهم، وأن يردَّ كيدَ اليهود عن المسجد الأقصى وعن فلسطين، وأن يردَّ أيديهم عن أهل فلسطين، وعن غيرها من بلاد المسلمين.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
